وهَذَا الإمَامُ الشَّاطِبِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ يُعَزِّزُ مَا نَحْنُ بِصَدَدِه بِقَوْلِهِ:"وأصْلُ جَمِيعِ ذَلِكَ سُكُوْتُ الخَوَاصِ ( العُلَمَاءِ ) عَنِ البَيانِ، أو العَمَلِ بِه عَلَى الغَفَلَةِ، ومِنْ هُنَا تُسْتَشْنَعُ زَلَّةُ العَالِمِ؛ فَقَدْ قَالُوا: ثَلاثٌ يَهْدِمْنَ الدِّيْنَ: زَلَّةُ عَالِمٍ، وجِدَالُ مُنَافِقٍ بالقُرْآنِ، وأئِمَّةٌ مُضِلُّونَ" (1) .
وكُلُّ ذَلِكَ عَائِدٌ وَبَالُهُ عَلَى العَالَمِ ( إلى أنْ قَالَ ) والثَّانِي مِنْ قِسْمَيْ المَفْسَدَةِ الحالِيَّةِ: أنْ يَعْمَلَ بِها العَوَامُ، وتَشِيعُ فِيْهم، وتَظْهَرُ فِيْمَا بَيْنَهُم؛ فَلا يُنْكِرُها الخَوَاصُ، ولا يَرْفَعُونَ لَهَا رَأسًا، وهُمْ قَادِرُوْنَ عَلَى الإنْكَارِ، فَلَمْ يَفْعَلُوا .
فالعامِيُّ مِنْ شَأنِه إذَا رَأى أمْرًا يَجْهَلُ حُكْمَهُ يَعْمَلُ العامِلُ به فَلا يُنْكَرُ عَلَيْه؛ اعْتَقَدَ أنَّه جَائزٌ، وأنَّه حَسَنٌ، أو أنَّه مَشْرُوعٌ؛ بِخِلافِ مَا إذَا أُنْكِرَ عَلَيْه؛ فإنَّه يَعْتَقِدُ أنَّه عَيْبٌ، أو أنَّه غَيْرُ مَشْرُوعٍ، أو أنَّه لَيْسَ مِنْ فِعْلِ المُسْلِمِيْنَ .
هَذَا أمْرٌ يَلْزَمُ مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ بالشَّرِيعةِ؛ لأنَّ مُسْتَنَدَه الخَوَاصُ، والعُلَمَاءُ فِي الجَائِزِ مَعَ غَيْرِ الجَائِزِ .
(1) ـ هَذَا قَوْلُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ ـ رضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ، أخْرَجَه الدَّارِمِيُّ فِي"السُّنَنِ" (1/71) ، وأبو نُعَيْمٍ فِي"الحِلْيَةِ" (4/196) ، وابنُ عَبْدِ البَرِّ فِي"جامِعِ بَيَانِ العِلْمِ وفَضْلِه" (2/979) ، وقَدْ صَحَّحَهُ ابنُ كَثِيْرٍ فِي"مُسْنَدِ الفَارُوقِ" (2/662) .