فهرس الكتاب
قَالَ ابْنُ القَيِّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ:"لَمَّا كَانَتِ المَقَاصِدُ لا يُتَوَصَّلُ إليها إلاَّ بأسْبَابٍ، وطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْها، كَانَتْ طُرُقُها وأسْبَابُها تَبِعَةً لَهَا، مُعْتَبَرَةً بِها …" (1) .
وقَدْ لاحَظَ العَرَبُ هَذَا التَّرَابُطَ بَيْنَهُما فَقَالُوا فِي أمْثَالِهم:"إذَا أرَادَ اللهُ أمْرًا يَسَّرَ أسْبَابَهُ" (2) .
وقَدِ اسْتَقَرَّ هَذَا التَّرَابُطُ بَيْنَهُما فِي الفِطَرِ السَّلِيمَةِ، والعُقُولِ المُسْتَقِيمَةِ، وقَامَ عَلَيْه أمْرُ الدُّنْيَا، حَتَّى عُدَّتِ الرَّغْبَةُ فِي حُصُولِ الشَّيءِ دُوْنَ مُبَاشَرَةِ وَسَائِلِهِ ضَرْبًا مِنَ العَبَثِ الَّذِي يَسْتَحِقُّ صَاحِبُهُ المَلامَةَ، قَالَ الشَّاعِرُ (3) :
تَرْجُوْ النَّجَاةَ ولَمْ تَسْلُكْ مَسَالِكَهَا إنَّ السَّفِينَةَ لا تَجْرِي عَلَى الْيَبَسِ
والعَبْدُ إذَا أخَذَ بِهَذا الأصْلِ، ولاحَظَ هَذِهِ السُّنَّةَ، لَزِمَه الانْتِباهُ إلى أمْرٍ آخَرَ، وهُوَ أنَّ الإنْسَانَ إنْ كَانَ مَأمُورًا بِمُلاحَظَةِ الأسْبَابِ؛ إلاَّ أنَّه مَنْهِيٌّ عَنِ الرُّكُونِ القَلْبِيِّ إلَيْها، والاعْتِمَادِ الكُلِّيِّ عَلَيْها، بِحَيْثُ يَنْسَى أنَّ اللهَ تَعَالى خَالِقُ هَذِهِ الوَسَائِلَ، وإنَّها لا تُعْطِيْهِ مَقَاصِدَها إلاَّ بإذْنِ اللهِ تَعَالى (4) .
فمُبَاشَرَةُ الوَسَائِلِ ـ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةِ ـ فِطْرَةٌ إنْسَانِيَّةٌ كَمَا هِيَ سُنَّةٌ كَوْنِيَّةٌ، وفَرِيْضَةٌ شَرْعِيَّةٌ .
(1) ـ انظر"إعلام الموقعين"لابن القيم ( 3/135 ) .
(2) ـ انظر"التمثيل والمحاضرة"لأبي منصور الثعالبي ( 7 ) .
(3) ـ انظر"العقد الفريد"لابن عبد ربه ( 3/79 ) بدون نسبة، ويُقَالُ: إنَّه لأبي العَتَاهِيَة .
(4) ـ انظر"مدارج السالكين"لابن القيم ( 3/521 ) .