فهرس الكتاب
وأشَدُّ النَّاسِ حَاجَةً إلى الإحَاطَةِ بِفِقْهِ الوَسَائِلِ وأصُولِها: هُمُ العُلَمَاءُ المُجْتَهِدُونَ، فإنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ العِلْمِ الْصَقُ بِهم، وأقْرَبُ إلى وَظِيفَتِهم .
وقَدْ أدْخَلَ الشَّاطبيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَاعِدَةَ ( النَّظَرِ فِي مَآلاتِ الأفْعَالِ ) ، ومَا بُنِىَ عَلَيْها مِنْ (سَدِّ الذَّرَائِعِ وفَتْحِها ) ، و ( الحِيَلِ ) ، فِي كِتَابِ الاجْتِهَادِ (1) .
والمُجْتَهِدُ لا يَحْكُمُ عَلَى وَسِيلَةٍ إلاَّ بَعْدَ النَّظَرِ فِي نَتَائِجِها وآثَارِها، قَالَ الشَّاطِبيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ:"النَّظَرُ فِي مَآلاتِ الأفْعَالِ مُعْتَبَرٌ مَقْصُودٌ شَرْعًا، وذَلِكَ أنَّ المُجْتَهِدَ لا يَحْكُمُ عَلى فِعْلٍ مِنَ الأفْعَالِ الصَّادِرَةِ عَنِ المُكَلَّفِينَ بالإقْدَامِ، أو الإحْجَامِ إلاَّ بَعْدَ نَظَرِهِ إلى ما يَؤُولُ إليه ذَلِكَ الفِعْلُ …"، ثُمَّ قَالَ"المُجْتَهِدُ نَائِبٌ عَنِ الشَّرْعِ في الحُكْمِ عَلَى أفْعَالِ المُكَلَّفِينَ، وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الشَّارِعَ قَاصِدٌ للمُسَبِّبَاتِ في الأسْبَابِ، وإذَا ثَبَتَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ للمُجْتَهِدِ بُدٌّ مِنِ اعْتِبَارِ المُسَبِّبِ، وهُوَ مَآلُ السَّبَبِ …" (2) .
فالخُلاصَةُ: أنَّ"فِقْهَ الوَسَائِلِ، وأصُولَها الشَّرْعيَّةَ، والمُوَازَنَةَ بَيْنِها وبَيْنَ المَقَاصِدِ"هُوَ مَيْدَانُ المُجْتَهِدِينَ، وأنَّ الوَاجِبَ عَلى كُلِّ مَنْ أرَادَ التَّصَدِّي لِقَضَايا الأمَّةِ، ووَضْعِها في قَوَالِبِها الشَّرْعِيَّةِ الصَّحِيحَةِ، أنْ يُحِيطَ عِلْمًا بِهذِه القَوَاعِدِ والأصُولِ المُتَعَلِّقَةِ بالوَسَائِلِ؛ لأنَّ الجَهْلَ بِها يُؤَدِّي إلى تَطَرُّقِ الخَلَلِ، ووُقُوعِ الاضْطِرابِ فِي الفَتْوَى .
(1) ـ"الموافقات"للشاطبي (4/194) .
(2) ـ"الموافقات"للشاطبي (4/194 - 196) .