فهرس الكتاب
وعنْدَ اسْتِقْرَاءِ مَعْنَى اللَّعِبِ، واللَّهْوِ فِي الشَّرْعِ؛ نَجِدُهما قَدْ ذُكِرَا عَلَى وَجْهِ الذَّمِّ، والتَّقْبيحِ، فانْظُرْ مَثلًا قَوْلَه تَعَالَى:"وذَرِ الَّذِيْنَ اتخذوا دينهم لعبا ولهوا …" [الأنعام70] ، وقولَه:"وما الحياة الدنيا إلاَّ لعبٌ ولهوٌ وللدَّارُ الآخرة خيرٌ للذين يتقون أفلا تعقلون" [الأنعام32] ، فِي غَيْرِ آيَةٍ مِنَ القُرْآنِ
وقَدْ دَلَّتِ السُّنةُ النَّبَوِيَّةُ عَلَى مَعْنَى هَذِهِ الآيَاتِ كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ:"كُلُّ شيءٍ يَلْهُو بِهِ ابْنُ آدَمَ فَهُوَ باطِلٌ، إلاَّ ثَلاثًا: رَمْيَهُ عَنْ قَوْسِهِ، وتأدِيبَه فَرَسَهُ، ومُلاعَبَتَهُ أهْلَهُ، فإنَّهُنَّ مِنَ الحَقِّ" (1) أحْمَدُ، والنَّسَائِيُّ، وغَيْرُهُمَا، ولِلْحَدِيْثِ ألْفَاظٌ مُتقارِبَةٌ، وسَيَأتِي لِهَذَا الحَدِيْثِ بَعْضُ الشَّرْحِ إنْ شَاءَ اللهُ .
فمَدْلُولُ اللَّهْوِ، واللَّعِبِ فِي هَذِه السِّيَاقَاتِ القُرْآنِيَّةِ، والنَّبَوِيَّةِ لا يَخْتَلِفُ عَنِ المَدْلُوْلِ اللُّغَوِيِّ، فَمِنْ خِلالِ مَا وَرَدَ مِنْ تَفَاسِيْرَ، يَتَّضِحُ لَنَا أنَّ اللَّعِبَ، واللَّهْوَ الوَارِدَيْنِ فِي هَذِه الآيَاتِ ومَثِيْلاتِها تَدُوْرُ حَقِيْقَتُهُمَا: حَوْلَ مَا لا يُنْتَفَعُ بِهِ . فَهُوَ البَاطِلُ، والعَبَثُ، وهُوَ ضِدُّ الجِدِّ، وضِدُّ الحَقِّ .
فاسْتِثْناؤُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ لِهَذِه الأرْبَعَةِ المَذْكُوْرَةِ مِنْ جِنْسِ اللَّهْوِ البَاطِلِ، يُفَسِّرُهُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلِيْها مِنْ فَضَائِلَ، وفَوَائِدَ، فَعُدَّتْ مِنَ الجِدِّ، وإنْ كَانَ ظَاهِرُها لَعِبًا، ولَهْوًا .
(1) ـ أخرجه أحمد (17300،17337) ، و"السنن الكبرى"للنسائي (8891) ، و"شرح مشكل الآثار"للطحاوي (295) ، وهو حديثٌ حسنٌ، وقد صحَّحه الألباني في"الصحيحة" (315) ، و"صحيح الترغيب" (1282) .