فهرس الكتاب
يَقُوْلُ ابنُ القَيَّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ:"ولَمَّا كَانَ الجِلادُ بالسَّيْفِ والسِّنَانِ، والجِدَالِ بالحُجَّةِ والبُرْهَانِ كالأخَوَيْنِ الشَّقِيْقَيْنِ، والقَرِيْنَيْنِ المُتَصَاحِبَيْنِ؛ كَانَتْ أحْكَامُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُما شَبِيْهَةً بأحْكَامِ الآخَرِ، ومُسْتَفَادَةً مِنْه ."
فالإصَابَةُ فِي الرَّمِي والنِّضَالِ؛ كالإصَابَةِ فِي الحُجَّةِ والمَقَالِ، والطَّعْنُ والتَّبْطِيْلُ نَظِيْرُ إقَامَةِ الحُجَّةِ وإبْطَالِ حُجَّةِ الخَصْمِ، والدُّخُوْلُ والخُرُوْجُ نَظِيْرُ الإيْرَادِ والاحْتِرَازِ مِنْه، وجَوَابُ الخَصْمِ والقَرْنِ عِنْدَ دُخُوْلِه عَلَيْكَ، كَجَوَابِ الخَصْمِ عَمَّا يُوْرِدُه عَلَيْكَ .
فالفُرُوْسِيَّةُ فُرُوْسِيَّتَانِ: فُرُوْسِيَّةُ العِلْمِ والبَيَانِ، وفُرُوْسِيَّةُ الرَّمْي والطِّعَانِ .
ولَمَّا كَانَ أصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أكْمَلَ الخَلْقِ فِي الفُرُوْسِيَّتَيْنِ؛ فَتَحُوا القُلُوْبَ بالحُجَّةِ والبُرْهَانِ، والبِلادَ بالسَّيْفِ والسِّنَانِ .
ومَا النَّاسُ إلاَّ هَؤُلاءِ الفَرِيْقَانِ، ومَنْ عَدَاهُمَا؛ فإنْ لَمْ يَكُنْ رِدْءًا وعَوْنًا لَهُمَا، فَهُوَ كَلٌّ عَلَى نَوْعِ الإنْسَانِ" (1) ."
وانْطِلاقًا مِنْ هَذَا المَبْدَأ، فإنَّني أحُثُّ إخْوَانِي المُسْلِمِيْنَ جَمِيْعًا عَلَى العِنَايِةِ باتِّبَاعِ السُّنَّةِ النَّبَوَيَّةِ فِي جَمِيْعِ الأمُوْرِ، ومِنْ ذَلِكَ النَّاحِيَةِ الجَسَدِيَّةِ تَمِشِّيًا مَعَ تَعَالِيْمِ الإسْلامِ، ليَكْمُلَ للمُؤْمِنِ الرُّوْحُ، والجَسَدُ.
وقَدْ وُجِدَتِ اليَوْمَ أسْبَابٌ، وظُرُوْفٌ تُحَتِّمُ عَلَى المُسْلِمِيْنَ الاسْتِعْدَادَ لَها بإعْدِادِ القُوَّةِ بِجَمِيْعِ أصْنَافِها، وذَلِكَ يَتِمُّ باسْتِعْمَالِ مَجَالاتِ السَّبْقِ .
(1) ـ"الفُرُوْسِيَّةُ"لابن القيم (156-157) .