فهرس الكتاب
وهَذَا القِسْمُ قَدْ جَرَى فِيْهِ خِلافٌ بَيْنَ أهْلِ العِلْمِ ما بَيْنَ مُبِيْحٍ ومَانِعٍ، اعْتِمَادًا مِنْهُم عَلَى ظَاهِرِ الأدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ، وتَفْصِيلُ ذَلِكَ كَمَا سَيَأتِي فِي الفَصْلِ الآتِي إنْ شَاءَ اللهُ .
قَالَ ابنُ القَيَّمِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ:"وأمَّا القِسْمُ الثَّالِثُ: وهُوَ مَا لَيْسَ فِيْهِ مَضَرَّةٌ رَاجِحَةٌ، ولا هُوَ أيْضًا مُتَضَمِّنٌ لِمَصْلَحَةٍ يَأْمُرُ اللهُ تَعَالَى بِها، ورَسُوْلُه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ، فَهَذَا لا يُحْرَمُ، ولا يُؤْمَرُ بِهِ: كالصِّرَاعِ، والعَدْوِ، والسِّبَاحَةِ، وشَيْلِ الأثْقَالِ … ونَحْوِهَا ."
فَهَذَا القِسْمُ رَخَّصَ فِيْه الشَّارِعُ بِلا عِوَضٍ، إذْ لَيْسَ فِيْه مَفْسَدَةٌ رَاجِحَةٌ، ولِلنُّفُوْسِ فِيْه اسْتِرَاحَةٌ، وإجْمَامٌ، وقَدْ يَكُوْنُ مَعَ القَصْدِ الحَسَنِ عَمَلًا صَالِحًا؛ كسَائِرِ المُبَاحَاتِ الَّتِي تَصِيْرُ بالنِّيَّةِ طَاعَاتٍ، فاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الشَّرْعِ التَّرْخِيْصَ فِيْه؛ لِمَا يِحْصُلُ فِيْه مِنْ إجْمَامِ النَّفْسِ، ورَاحَتِها، واقْتَضَتْ تَحْرِيْمَ العِوَضِ فِيْه، إذْ لَوْ إبَاحَتْهُ بِعِوَضٍ؛ لاتَّخَذَتْه النُّفُوْسُ صِنَاعَةً، ومَكْسَبًا، فالْتَهَتْ بِهِ عَنْ كَثِيْرٍ مِنْ مَصَالِحِ دِيْنِها، ودُنْيَاهَا، فأمَّا إذَا كَانَ لَعِبًا مَحْضًا، ولا مَكْسَبَ فِيْه؛ فإنَّ النَّفْسَ لا تُؤْثِرُه عَلَى مَصَالِحِ دُنْيَاهَا ودِيْنِها، ولا تُؤْثِرُه عَلَيْها إلاَّ النُّفُوْسُ الَّتِي خُلِقَتْ للبَطَالَةِ !" (1) ."
(1) ـ"الفروسية"لابن القيم (172) ، و ( 301 - وما بعدها ) .