فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 54

مرت عشر سنوات .. كأنها حلم .. أو هي طيف من أرض المستحيل ، عشر سنوات .. نسي خلالها الهموم الراكدة على أرصفة عمره .. نسي الآلام المتجذرة في طفولته .. في شبابه .. وحتى في هنيهات عجزه ..

كانت"سلمى"في ليلة زفافهما ، مجرد طير يحوم في أجواء الفرح .. كانت الحلم الذي أغدق على عمره بفيض من الأمل ، ومنحه العزيمة ليتحدى الأهوال ..

لكنها تتبدل وتتحول إلى مخلوق آخر ، اليوم تذبل .. وتذوي في صمت مرير بات يقتله كل يوم مائة مرة .. قالت له في حوارهما الأخير:

"لقد منحتك كل شيء .. فلم أعد أملك لك شيئًا"..

يقفز من مكانه ويجوب الحجرة كمسافات بلا حدود ، بينما قابعة هي في مكانها لم تحرك ساكنًا .. يسألها:

-ماذا تريدين أن أفعل ؟! ..

تحدق به ببرود ، وكأن سؤاله لا يعنيها ، ثم تعود إلى الثوب الذي تخيطه صامتة ، فيصرخ:

-أجيبيني ..

ترفع رأسها دون أن تنظر إليه ، وتبقى صامتة تحملق في الفراغ ..

يكرر سؤاله:

-ماذا تريدين .. ؟

يشعر برغبة ملَّحة في البكاء لصمتها .. يريد أن يفعل أي شيء .. أن يصفعها .. أن يركل كل شيء أمامه ، لكنه يتماسك ويلوذ إلى حيرة يسحقه الذهول فيها إلى أشلاء ، يتساءل في سريرته .. ماذا يفعل ، وكيف يستجلي أحزانها ، فجأة يأتيه قرارها متعبًا .. واهنًا ، ليقطع حبل أفكاره:

-أنا بحاجة ماسة إلى إجازة أستعيد بها حيويتي .. !

يلتفت إليها مندهشًا ، فتردف:

-مرت سنوات عديدة ، وأنا أمنحك أنت والأولاد كل جهدي ووقتي .. سنوات أفقدتني نفسي .. وشخصيتي .. فمن حقي أن تمنحني إجازة قصيرة .. !

يطلق ضحكة مدوية .. لا يصدق ما يسمع ، فيسألها بمرارة:

-هل مللتني يا سلمى ؟!

تجيبه وهي تنهض بارتباك:

-لا .. ولكن نظام الحياة على وتيرة واحدة ، وكذلك غيابك عنّا طيلة اليوم في عملك ، يجعلني أحيانًا أفقد صوابي .. !

يقاطعها باندفاع:

-لكنه عملي .. إنه من أجلك .. وأجل الصغار !

تتابع .. كأنها لم تسمعه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت