فهرس الكتاب

الصفحة 4 من 54

داهمته ذكرى الفجيعة مرة أخرى ، فقفز كالملدوغ ، كان ألف خاطرة وخاطرة تحط على ذهنه المشتت .. أين .. ومتى .. وكيف .. ولماذا ، لذلك تلعثم .. وارتبك .. جلس مرهقًا وهو يقول بصوت متقطع:

-كارثة .. مصيبة ..

رجع بذاكرته إلى أيام طفولته ليفتش عن مبرر معقول في أحراش الماضي ، صور كثيرة طفت على سطح ذاكرته ، اقتطف منها بداية مسرفة بالقدم ، لا سيما الحي القديم في الشارع الغربي ، وعصبة من الأولاد كانوا يلعبون"الحبشة"، في ذلك اليوم خرجت"هناء"ابنة الخمس أعوام من البيت الملاصق لبيت ذويه .. قالت له بخشونة وهو منشغل باللعب معهم:

-أحمد .. أريد أن ألعب معكم ..

لم يمهلوه الصبية ليقرر بعد أن رأوا حيرته ، بل تصدوا لها ونهروها بقسوة ، قال لها كبيرهم:

-اذهبي يا صغيرة والعبي مع البنات ..

في ذلك الوقت كانت هناء تبتعد وهي ترجمهم بالحجارة ، وتتوعدهم بعلقة ساخنة من أخيها محمود .. وكان يلحظها أحيانًا وهي تتحرش بأطفال الحي الصغار ثم تشبعهم ضربًا ، حتى استطاعت أن تولي من نفسها زعيمة عليهم ، ورغم ذلك كبرت هناء .. وكبر معها حلمه بأن تكون له ، كان يحب فيها الجرأة والتمرد .. قالت له أمه بامتعاض:

-لست أدري ماذا يعجبك في هذه الفتاة المسترجلة حتى تتزوجها .. !

داهمته هناء بملامحها البريئة وقسماتها الناعمة ، داهمه همسها ورقتها ، كانت تداعبه ذات مساء يوم ، فقالت له وهي ترفع يدها المكورة في الهواء:

-ليتني أتحول إلى رجل لأقتص للنساء منكم معشر الرجال ..

ثم تذكرها وهي تميل على الجانبين في أشهر الحمل الأخيرة وتئن من آلام الوضع ، فمس كالمشدوه:

-لا يمكن أن يكون كل هذا وهم أو سراب ..

لكن الطبيب قال له بارتباك وحذر:

-اسمعني جيدًا هذه معجزة من معجزات الخالق سبحانه .. وعليك أن تقبل بالأمر الواقع ..

ثم نأى به جانبًا وأردف:

-حالة زوجتك نادرة جدًا ، فهي نصف ونصف !

قهقه بجنون .. وصرخ:

-أنا زوجتي .. رجل .. !!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت