فهرس الكتاب
كاد أن يقتحم جدالهما آذان المارة المبعثرة في الطريق ، قالت تستنكر ما هو عازم عليه:
-هل جننت يا رجل .. أتريد أن تلقي بأبيك إلى الشارع ؟
أجابها يتوارى خلف نبرة ارتباك:
-لا .. بالطبع لا .. لن يصل الأمر إلى هذه الدرجة ، لأننا سنأتي به ليعيش هنا معنا ، وسيكون بإمكاننا جميعًا رعايته وخدمته.
قالت تذكره بأمر قد غفله أو تناساه:
-ولكنك تعلم جيدًا أن والدك لا يحبذ ذلك ، وكنت قد عرضت عليه الأمر مرات عديدة ، حيث كان يرفض بشدة ويقول بأنه يفضل أن يعيش باقي عمره مع ذكرياته العزيزة مع أمك في ذلك البيت القديم ..
صاح باعتراض متعللًا بإصراره:
-إذن هل يرضيك هذا الشتات الذي نعيشه كل يوم حيث نذهب لزيارته .. ونأخذ له الطعام ، ثم تقومين أنت بخدمته وتنظيف ملابسه ومكانه !!؟ ..
قالت تكشف نواياه:
-على كل أنا لم أشكو من ذلك أبدًا ، بل إنني سعيدة بما أفعله لأنني أطلب الأجر من الله .. أما أنت ..
لم تستطع اتهامه ، فلطمها بنظرة حارة يستنطقها قال:
-أنا ماذا .. ؟
قالت بجرأة تواجهه بالحقيقة:
-أنت تريد أن تسبب التعاسة لأبيك .. وتبيع المنزل الذي أصبح كل حياته ..
لم يتحمل هذه المصارحة التي دفعته لأن يبرر مأربه بعناد قائلًا:
-إنه حقي .. هذا البيت إرثي من أمي يرحمها الله ، ويحق لي أن أبيعه وأتصرف به كما يحلو لي .. لأستثمر أمواله في مشروع يؤمن المستقبل لي ولك وللأولاد ..
صاحت باعتراض:
-أنا لا أريد مستقبلًا مؤسسًا على سخط والدك وتعاسته يا محمود ..
ما زال الإصرار يغويه .. إلى حد أنه لم يكترث بكلامها .. بل إنه سكب على انتباهتها بجملة عنيدة:
-ولكني مصمم على ما عزمت .. ولن يثنيني شيء عن ذلك .. وليكن ما يكون ..
سكنها اليأس لقوله ، فقالت تنبهه قبل أن يخرج:
-أحب أن أوجه لك كلمة أخيرة قبل أن تخرج يا محمود .. احذر من غضب أبيك .. احذر من غضب أبيك ..