فهرس الكتاب
قرية هادئة ما صنعته ، جنة - انبعثت ملامحها - من أعماق فردوس .. كان يتجذر"شموخًا"على أرض الأحلام !!
مناخ ريفي هي - طفولته ، ألقًا في ذاكرته .. أو وهجًا .. كان يتبعثر في خلاياه .. أو يتمدد في جوفه حتى النخاع ..
كانت القرية تعني له - من منطلق الانتماء - ميلاد مترامي ، لا يموت أبدًا .. على شواطئ الحياة ، كانت نبعًا .. اغترف من صفائه - بقاءً - ثم تركه"هجرًا".. ليذوي في آفاق التجربة .. !!
لذلك هو يشعر بالتيه .. والتشرد ..
لذلك برح وجه"مريم"الجميل ، مجرد"قناع"بشع من أقنعة الحضارة .. التي حاصرته - في شحوب انبهاره - بأكوام من الأسئلة المستهجنة خنوعه .. !
وأصبح الوجود - في ناظريه - لا يساوي .. زفرة حنين يطلقها - حريقًا - في وحدته .. إلى قريته وأيامه الخالية .. إلى تضاريس أصالته المتوارية في سراديب الأزمان ، ولكن .. ألم تكن المدينة هي طموحه .. ومريم حُلمه !؟ ..
ألم يتطلع إليها - يومًا - على أنها .. مخلوق ساحر خلق في عالم آخر .. جميل .. !
عندما تقدم لخطبتها ، كان يخالها كالأطفال .. عين بريئة ترمقه باستحياء ، ثم تفر خجلا إلى حجرتها ..
لم يكن يدرك أبدا .. أن البراءة يمكن أن تمسخ إلى سلوكيات واهية .. أو تتحول إلى مجموعة هائلة من المساحيق الملونة ، التي تسقطها أول حفنة من المياه ..
لم يكن يعي حجم المغامرة التي أقدم عليها ، إلا حين خطا أولى خطواته نحو المجهول ..
ها هي مريم تتحول إلى إعصار هائج ، يأكل الأخضر واليابس من عمره ..
ها هي تزمجر في محياه كلما أطل عليها من عالمه المزدحم ، لتقول له بخيلاء:
-ستبقى مجرد قروي ،"رجعي".. لا يلم بأبجديات التمدن .. !
أو قد تصرخ فيه بلا مبالاة:
-لا تتوقع مني أبدا بأن ألغي بروتوكولات الحضارة ، وأهجر هذه الرفاهية .. لأمضي معك إلى قريتك البدائية .. انسي هذا الأمر بتاتا ... !
يتنهد ..
قتلته"مريم".. ونثرته أشلاء فوق طرقات المدينة !