فهرس الكتاب
تحولت - فجأة - إلى تمثال"جامد"، كان يزين مساحات المنزل الذي أغدق عليه - بكل ذوبان عمره - أموالا .. وأموالا - لهث وراءها طويلا ، ليجمعها من كل صوب .. حتى يرضيها ..
تحولت إلى امرأة باهتة .. هزيلة ، تماما مثل قناديل"المدينة"..
لم ترحمه أبدا .. ولم تمنحه لحظة هدوء يمكن أن يبعثرها .. في صخب أعماقه ..
وكل ما كانت تجيده هو التبرج .. والثرثرة .. والخواء ، وحين تستقبله كل مساء كانت تسكب على أذنيه ، بأنغام متناقضة لإيقاعات يومها العاصف والمغرق بترهات حمقاء .. فتقول له بقرف:
-لقد كادوا أولادك اليوم أن يفقدوني صوابي ..
وتضيف وهي تكتف ذراعيها بغطرسة:
-وتقول جارتي"أم أحمد"بأن لون سجادة الصالون ، لا يتناسب مع ستائر حجرة الطعام !
ثم تزفر وهي تتناول"صينية الشاي"من الخادمة:
-هل يرضيك بأن يقال أنني زوجة لرجل ريفي .. لا يفقه شيئا من أمور الديكور ؟!
وأخيرا .. قد تنهي كلماتها القاتلة ، بينما هي تغادر المنزل - برفقة السائق - بإصدار أمر جديد:
-لا تنسى السوار الماسي الذي أوصيتك به .. فغدا هو موعد زواج صديقتي"فوفو"..
آه ه ..
يتأوه بحسرة اقتلعها من صحوة أمل هيمنت على حواسه ..
كم يشتاق إلى عبير"الأوحال"في دروب قريته البعيدة ..
كم يحن إلى وجه أمه"ورائحة العرق في يديها .. ووشاحها .. وكم يرنو إلى الفجر الريفي ، الذي طالما كسى جبينه - بقطرات لؤلؤية من ندى الصباح المنعش .."
قالت له أمه:
"لا تذهب يا بني .. إن المدينة كالبحر الهائج .. لن تقدر على مقاومة أمواجه ..".
تراوده - بغتة - أفكار شاحبة بالعودة .. لكنه سرعان ما يجفل ويهمس:
-أين المفر .. !
فهؤلاء القوم .. أصبحوا قيدا ثقيلا .. أغلالا قاسية تشده إلى القاع .. برحوا - في غمرة غربته - زنزانته التي لا يقدر على التحرر منها ! ..
زفر .. وفكر .. ثم تساءل ..
"هل يعود وحيدا"؟!!