فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 75

تم زواجنا شرعيًا وهي حامل في الشهر الأول، كانت حياتنا رائعة، غنية، جديدة من كل الوجوه. ندرس معًا، ونعمل في البيت معًا، ونزور أصدقاءنا وصديقاتنا ونناقش كل الأمور كما لو كنا صديقين جديدين.

كانت امتحاناتي لم تبدأ بعد حينما انتهت أمل من امتحاناتها، لذلك طلبتُ منها أن تسافر قبلي. لم ترق لها الفكرة ولكنني ألححتُ عليها خاصة وأن رسائل أمها وأبيها كانت طافحة بالشوق. وافقت أخيرًا ثم بدأت تستعد للرحيل. وفي مطار القاهرة ودعتُ أمل. هاجمني حزن صعب عليَّ أن أغالبه، فاضت دموعي، ضمتني بقوة ثم وضعت رأسها على كتفي كحمامة بيضاء، وكانت تردد وهي في ذروة الانفعال:

ـ سأراك بعد أيام قليلة.

كان لابد من الفراق، وشعرت بالندم على سفرها، ولكن الأوان قد فات. وحينما علت طائرتها في الجو شعرت بأن القاهرة كئيبة حزينة وأن الناس فيها قد هجرتهم أفراحهم منذ زمن بعيد. وحينما وصلتُ شقتنا لم أستطع أن أفتح الباب. أصبت بانهيار مفاجئ،غمامة سوداء تربعت على عينيّ، وهرولت إلى شقة صديق لأنزل ضيفًا عليه خلال مابقي لي من أيام.

ـ 7 ـ

وصلني الخبر الأسود في اليوم الأول من امتحاناتي: لقد ماتت أمل في حادث مروع. كان ذلك فوق قدرتي على الاحتمال. تركت الامتحانات وهمت على وجهي في شوارع القاهرة لعدة أيام لم أعرف خلالها طعمًا للنوم أو الأكل. لم تكن أمل زوجة فحسب، ولم تكن صديقة فحسب، بل كانت لي بعض ما افتقدته من جرأة على مواجهة الواقع. قلتُ لها ذات مرة:

ـ حينما سيصبح هذا الوطن الكبير دولة واحدة، لن تجدي يا أمل قطعة أرض قاحلة، ستتحول كل الأراضي إلى حقول خضراء، وكل القرى إلى بلدات صغيرة مبنية من القرميد الملون الزاهي، وستجدين خدود الأطفال في حمرة التفاح ... حينذاك سيبدأ التاريخ. أما الواقع الراهن فيدعو للقنوط والإحباط..

علقت آنئذٍ بحماس:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت