فهرس الكتاب

الصفحة 63 من 75

كانت سعادتي لا توصف، وبعد فترة بدت لي طويلة جدًا، تربع القمر بدرًا في السماء. كانت سفوح الجبال مضاءة بلون فضي وقد غطتها أشجار الزيتون الفتية ودوالي العنب المستلقية على الأرض بتراخ، وكانت أصوات الجنادب تمنح الجو موسيقى عذبة. انطلقنا سوية في طريق جبلي صغير وقد خيم علينا صمت صاخب. وبعد مسافة قصيرة قلتُ لها مداعبًا:

-ها نحن في الجنة معًا.

ضحكت ثم قالت:

-ألا تعرف ما فعلته حواء بآدم؟

قلتُ:

-ما أحلى العودة إلى الأرض، انظري أي سحر رائع يلفنا.

صمتت وكأنها تذوب في السحر الذي يهمي علينا.

قلتُ لها وأنا أفكر مليًا بمصارحتها:

-هل قرأتِ قصة"في ضوء القمر"لجي دي موباسان [1] ؟

التفتت إليّ وبسمة حلوة تكحل عينيها، ثم قالت:

-لقد قرأتُ بعض القصص لموباسان، ولكني لم أسمع بهذه القصة، اروها لي فكلي آذان صاغية.

اقتربتُ منها حتى كدت أن ألامس جسدها وبدأتُ السرد:

كان الأب مارينان متعصبًا بعض الشيء إلا أن ذلك لم يستطع أن يطمس سمو روحه وحبه للجمال. وكان مغرمًا بمعرفة الغرض من خلق كل شيء. كان يقول لنفسه مثلًا: لماذا خلق الله الشمس؟ ويجهد نفسه كي يعرف الهدف من خلقها، كان يريد أن يعرف سر الله في الموجودات ولماذا خلقها. وكان يكره النساء ويعتبر المرأة سبب الخطيئة الأزلية.

قاطعتني معلقة بروح خفيفة:

-إذا كان البحث عن سر الموجودات له، فكره النساء عليه، مسكين، لقد حرم نفسه من الحب ففقد سداد الرأي، ما رأيك؟ هل توافقني؟

أجبتها بتدفق:

-بلا تحفظ.

ثم تابعتُ: ولسوء حظه أو لحسن حظه كانت له ابنة أخت تعيش في كنفه، وكانت في ميعة الصبا، وعندما كانت تداعبه وتتودد له يدفعها بغلظة متخيلًا الشهوة التي تتقد في جسدها المسكون بالشيطان. لقد قرر أن يجعل منها راهبة.

(1) أديب فرنسي يعتبر من أبرز كتاب القصة القصيرة في القرن التاسع عشر.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت