فهرس الكتاب
وذات يوم حدث الزلزال: أخبرته خادمته مساء ذلك اليوم وهو يحلق ذقنه أن ابنة أخته تغادر البيت سرًا لملاقاة عشيقها، ثار ثورة عارمة، توقف عن الحلاقة، اتهم خادمته بالكذب، إلا أنها أصرت طالبة منه أن يتأكد بنفسه، فلقد غادرت الفتاة البيت منذ قليل إلى المكان المعهود. حطم كرسيًا كان بجانبه بضربة واحدة، وبدأ يزرع الغرفة جيئة وذهابًا في سورة غضب محموم. وبعد فترة غادر البيت قاصدًا المكان الذي حددته الخادمة. حينما خرج كانت السماء مزينة بالبدر كهذه الليلة تمامًا، وكان ضوء القمر قد أحال تلك الليلة الصيفية إلى لوحة طبيعية يعجز عن رسمها كبار الرسامين. سار مسرعًا وسط الحقول، وكانت نسائم عليلة تهب بين الفينة والأخرى على وجهه فتكنس شيئًا فشيئًا من انفعالات الغضب، كما كانت أصوات الحشرات الليلية ونقيق الضفادع من نهر بعيد تضفي على الجو عذوبة تخفف من آلام كرامته الجريحة. وفجأة قفز سؤال عزيز على نفسه: لماذا خلق الله كل هذا الجمال في الوقت الذي نام فيه معظم القرويين؟ وألح عليه السؤال حتى كاد أن ينسى الغرض من خروجه في ذلك الليل الهادئ المنعش.
قالت لي مقاطعة وهي ترمقني بعينين لم ولن أجد أكثر عذوبة منهما:
-أسعفني، هل وجد الجواب؟
قلتُ لها وعيناي تغرقان في عينيها ويدي تحط بهدوء على كتفها:
-سنعطيه الجواب.
قالت وهي تضع رأسها على كتفي:
-نحن؟
أجبتها بصوت متلعثم:
-نعم نحن.
-كيف
تلاشت الكلمات، لم تعد الحروف تسعفني، أنّى لي أن أجيب ومشاعر مجنونة تسكرني، وددتُ لو أحتضنها، أقبلها، أن أطير بها.
توقفنا عن المسير ووقفنا وجهًا لوجه، ورفعتُ يدين مرتعشتين تحتضنان وجهها الذي طالما حلمتُ به، بريئًا كوجه طفل وليد، معطارًا كمساكب ورد جوري.
خيم علينا صمت عاصف، ثم استجمعتُ قوايَ وتابعت: حينما رآنا كان الجواب. لقد خُلق هذا الجمال من أجلنا، من أجل الحب، عندها قفل راجعًا خجلًا مما كان مقبلًا عليه من خطأ قد لا يغفره الله أبدًا.