فهرس الكتاب
إنه بالفعل لا يجرؤ على دخول البيت لوحده، فلقد تحول فجأة إلى أطلال تعوي فيها الرياح وتستوطنها أشباح مرعبة. كانت الشوارع خالية تقريبًا من المارة، فالليل قد انتصف وأمطار خفيفة قد بدأت بالهطول، ودع أحمد الذي أصبح بيته قريبًا جدًا واستقل سيارة خاصة قاصدًا بيت أهله. وفي الطريق خطرت على باله فكرة الذهاب إلى بيته للتأكد من وجود الأوراق الثبوتية والوثائق الخاصة بزوجته، ففي ذلك دليل قاطع على الحقيقة، يطلب من السائق تغيير الاتجاه. لا بد من أن يقطع الشك باليقين. تمنحه الفكرة بعض النشاط ويستعيد توازنه، وينبعث بصيص من أمل. يستحيل أن تهرب، لقد أحبها من كل قلبه وأحبته إلى حد الجنون، وتزوجها خلال دراستهما المشتركة في بلد كلاهما غريب عليه، وزادت الأيام من لحمة علاقتهما ومهرتها الطبيعة بميلاد رنيم ورند.. لا.. لا يمكن أن تهرب. وحينما دخل البيت داهمه خوف شديد لم يعرف كنهه وأحس ببرودة رؤوس أصابعه رغم أن الربيع قد اكتسح أخيرًا كل مواقع الشتاء. ظلام كثيف يجثم في البيت وصمت ثقيل يغمره، شيء واحد ينعش روحه الكسيرة، رائحة البنتين التي تخيلها منثورة في كل ركن، يضيء مصباح الصالون، يتجه مباشرة إلى درج الطاولة الذي اعتادت زوجته أن تحتفظ فيه بكل الوثائق الهامة. يفتح الدرج، يصعق، لا يجد ولو ورقة واحدة، أخذت كل شيء، جميع شهاداتها بل وأكثر من ذلك، كل الوثائق المتعلقة برنيم ورند، لقد كانت خطة الهروب محكمة. يترنح، يشعر بأنه على وشك الإغماء، يهبط على كرسي قريب، يمسك جبينه بقوة كأنه يحاول أن يمنع عظام جمجمته من الانفجار. لقد هربت بالفعل وضاع كل أمل.