فهرس الكتاب

الصفحة 68 من 75

ومضت في ذهنه فكرة الفراق الأبدي، داهمته مشاعر غريبة كتلك التي تسبق نوبات الجنون، نوبات الانفصال عن الواقع، واختلطت في ذهنه شتى الصور والأفكار والأحاسيس. وكدفاع عن قواه العقلية يحلم برؤية رنيم ورند ولو بعد سنين، وتمتلئ نفسه كرهًا لزوجته، لقد خدعته وسلبته أجمل ما في حياته هكذا ظلمًا وعدوانًا.

ينهض عن الكرسي، يضيء مصابيح جميع الغرف، تستطلع عيناه كل الجدران والزوايا، ثم يدخل غرفة الصغيرتين، تتعلق عيناه بدفتر رنيم المفتوح على طاولتها الصغيرة بالقرب من سريرها، لقد كانت تكتب وظيفتها قبيل السفر، ثم يرى حذاء رند الملون فيأخذه بين يديه بحنان متخيلًا أنه يداعب قدميها، ويتحسس -والدموع تتقاطر من عينيه -سرير كل منهما، ويشم ويضم وسادتيهما، تهاجمه مرة أخرى مشاعر الفقد والشوق فيكاد أن يتمزق، يكاد أن يفقد عقله، يترك كل شيء على حاله ويهرب من البيت بسرعة. وفي الطريق إلى بيت أهله يحس بحاجة ماسة إلى أمه. فرغم أنه تجاوز الثلاثين من العمر، يسيطر عليه شوق طاغ لحضن أمه، يريد أن تعانقه، أن تضمه إلى صدرها. وعندما يفتح الباب، يسمع أمه تخاطبه بصوت متقطع، وهي تحاول النهوض من سريرها:

-تأخرت يا محسن، لقد قلقت عليك جدًا

ثم تقترب منه والدموع في عينيها، لم يعرف أنها اتصلت بصديقه أحمد هاتفيًا، وعرفت منه كل شيء. تأخذه بين ذراعيها، تضمه بقوة فيستسلم لها كطفل صغير وينفجر في بكاء رهيب.

تعذيب جحش

1-الحادثة

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت