فهرس الكتاب
التف الناس حوله وعلى وجوههم ارتسمت علامات الدهشة والحيرة والارتباك، لم يألفوا منظرًا كهذا. كان محمد الراشد ينهال بعصاه الغليظة على جحشه وكأنه يضرب جذع شجرة معمرة، وكان الجحش يرمح ويدور عند كل ضربة. وشيئًا فشيئًا بدأ إيقاع الضرب يتسارع، ونفرت دماء غزيرة من رأس الحيوان، ثم سقط على الأرض، صوت تكسر العظام ولون الدماء واهتزاز جسد الحيوان البطيء اعتقل حركة الجميع. صمت مطبق لا يقطعه سوى ضرب متسارع، ضرب لا يفرق بين عضو وعضو، ودماء ساحت على جسد المسكين الذي فرد قوائمه واستسلم لسكرات الموت. لم يتوقف محمد الراشد رغم وضوح موت الحيوان، بل استمر بضرب الجثة ناثرًا عند كل ضربة كمية من دم حار على جموع المشاهدين، لقد تناثرت نقط الدم على وجوههم وثيابهم مما دفعهم للابتعاد قليلًا. كانت الوجوه صفرًا والحلوق جافة، وفي النظرات مزيج من الألم والتساؤل.. وفي هذه اللحظة اندفعت طفلة صغيرة لم تتجاوز الخامسة من العمر باتجاه محمد الراشد، لتأخذ منه العصا التي استحال لونها إلى أحمر قان، لم يمانع، كان منهكًا قد أعياه الانفعال الشديد، وهدّه الجهد المتواصل. تقدمت الطفلة بخطى مترنحة نحو جثة الحيوان، وضعت العصا على الأرض بالقرب من الجثة، ثم انحنت لتربت بيديها الصغيرتين المرتجفتين على رأس الحيوان وعينيه ووجهه، ثم انخرطت في عويل رهيب. تفجرت دموع المشاهدين، عندها غادر محمد الراشد المكان على عجل دون أن يجرؤ على مواجهة نظرات الآخرين.
2-التفسير
لم تمر الحادثة ببساطة رغم أن الضحية جحش، فقد شغلت القرية لفترة طويلة. منهم من قال إن محمد الراشد مصاب بلوثة عقلية على الرغم من مظهره الهادئ وطيبته الظاهرة، فهو ميال للعزلة، قليل الكلام وحساس إلى حد كبير. فمن يعذب جحشًا إلى هذا الحد لا بد أن يكون مجنونًا.