فهرس الكتاب
يقطع كيفما يشاء الدورة الثانية التي تضمن حركة المياه في الطبيعة).
يستفاد من هذا أن الجهل بحقيقة تنزيل المطر صناعيًا لا زالت الألسنة تتناقله، ولا زال المتخوفون من هذا الصنيع يحذرون منه بحجة أن ذلك اعتداء على أصل خلقة المطر وعلى من عنده علم الساعة وتنزيل الغيث، واعتقادي أنه إذا كان في كلام هؤلاء بعض الصواب، لكن ليس الصواب كله، وذلك لما هو معلوم من أن الإفراط في الحرص يساوي التفريط فيه، وربما يتعداه، فمنشيء الأمطار، هو منشيء مقدماتها وأسبابها وتدابيرها، ليلجها أولئك الذين شاء الله لهم ذلك، من بشر أو ملائكة جريًا على سنن الله في الأرض، ونواميسه في الكون، وفى هذا المجال يعلق الأستاذ عبد الحميد الزنداني فيقول [1] : (عندما تمكن الإنسان من معرفة السنن الإلهية التي أجراها الله والأسباب التي قدرها لإنزال المطر، أخذ الإنسان يحاول أن يستخدم هذه السنن على نطاق محدود لإنزال ماء السحب عند بروزها، فظن بعض الجهلة ذلك تطاولًا من الإنسان على قدرة الله، ومساواة بين الإنسان وخالقه، وقالوا: إنه أصبح في مقدور الإنسان الأمر الذي كان في مقدور الله، ويضيف: ألم يعلم هؤلاء أن الله هو خالق الأشياء وأسبابها وأقدارها، وأن الإنسان هو خليفة الله في هذه الأرض الذي يستخدم هذه السنن والأقدار، فالقرآن لا يحرم على الإنسان إنزال المطر، كما أن الله هو الذي يزرع الأشجار والنباتات بتقديره وقدرته، إلا أن ذلك لا يحرم على الإنسان أن يقوم باستخدام أقدار الزراعة وسننها في زراعة الأرض، بل إن على الإنسان أن يعرف التي منحه الله إياها، وذكر ذلك في كتابه بقوله:(إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً) [2] ، وقال تعالى: (وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِّنْهُ) [3] انتهى كلام الزنداني.
(1) كتاب توحيد الخالق، 3/ 72.
(2) سورة البقرة/ آية 30.
(3) سورة الجائية/ آية 13.