الذي حدده المسلمون لا يضر بخلاف الخروج الكثير فإنه حينئذ يكون خارجًا عن البينية بين الصفا والمروة.
وأيًّا ما يكون فإنّ هذا النقل عن الإمام الشافعي يُفيدنا في بحثنا بأنْ يبين لنا مدى دقة تحديد عرض المسعى في كل نقطة، لأننا بالتحديد نستطيع أن نتبين الخروج اليسير من الخروج الكثير، فلو كانت أرض المسعى غيرَ محددة بدقة لمَا استطعنا تمييز الخروج اليسير من الخروج الكثير.
وعلى أيّ حال فإنّ هذا القول للإمام الشافعي والدارمي لا يصح أن يَحتج به مبيحو التوسعة، لأنّ التوسعة خرجتْ عن حدّ المسعى خروجًا كبيرًا جدًا جدًا، حتى إنها بلغتْ أكثر من مِثل مساحة المسعى كاملًا، وإنّ الساعي في المسعى الجديد قد سعى خارج المسعى بالكامل، لا أنه خرج خروجًا يسيرًا.
وقبل أن أسرد كلام الأئمة لا بدّ من التنبيه إلى أنّ بناء المسعى في عهد خادم الحرمين الشريفين الملك فهد رحمه الله قد أخذتْ بقول الإمام الشافعي فجعلت المسعى مستقيمًا من أوله إلى آخره بحسب أعرض نقطة في المسعى [1] ، لذلك فإنّ بعض العلماء [2] قد نصح الساعين بالابتعاد عن الحائط الشرقي [3] مِن المسعى مسافة مترين، لأنّ الساعي بملاصقة الحائط الشرقي مِن داخل المسعى يكون قد خرج في بعض الأماكن خروجًا يسيرًا، وهذا لا يصح عند جميع الأئمة ما عدا الإمام الشافعي والدارمي.
والآن سأسرد بعض النقول التي تبين الكلام الذي ذكرته في هذه المقدمة، ولن أشرح النقول اكتفاءً بشرحي في هذه المقدمة لجميع النقول بشكل مجمل:
(1) ذكرت اللجنةُ العلمية أسبابَ اتخاذها قرارَ بناء المسعى على الهيئة الحالية بقولها: ( وأنّ مكان السعي تعبدي، وأنّ الالتواء اليسير لا يضر، لأنّ التحديد المذكور بعاليه للعرض تقريبي، بخلاف الالتواء الكثير كما تقدمت الإشارة إليه في كلامهم فإننا نقرر ما يلي: ) ، وانظر مقتطفات من قرار هذه اللجنة في المطلب التالي.
(2) ومنهم المؤرخ محمد طاهر الكردي وهو ممن شارك في التوسعة السعودية وفي ضبط حدود المسعى، وقد شرح موقفه ودليله في كتابه التاريخ القويم لمكة وبيت الله الكريم 5/ 358 فليرجع إليه لزامًا.
(3) هو الحائط الأبعد عن الكعبة، وبعد هذا الحائط بُنِيَ المسعى الجديد، فانظر إلى أيّ مدى يبتعد الساعي في المسعى الجديد عن مكان السعي الصحيح.