الصفحة 50 من 76

"الضرورات تبيح المحظورات"، ولكن هذا أمر يرفضه كلُّ مسلم [1] ، وإذا قال لنا مبيحو توسعة المسعى: إنّ الحج فرض على القادر وأمّا غير القادر فلا يفترض عليه الحج فلا داعي لبناء أكثر من كعبة، فنقول لهم: فلماذا لم تطبقوا هذا الكلام الجميل على المسعى أيضًا فتسمحون لعدد معين من المسلمين بالحج بحسب ما يتسع له المسعى مع طوابقه المتكررة؟ فالنتيجة من الكلام أن نطالبكم بتطبيق قاعدة"الضرورات تبيح المحظورات"على المسعى والكعبة وعرفات أو اعتماد الفقه الصحيح وهو أنّ هذه القاعدة لا تنطبق على جميع الأحكام الشرعية وأنّ هذه القاعدة لها ضوابطها وليست مطيةً لتبرير شهواتنا وأوامر المسؤولين عن شعائر ديننا.

الشبهة الخامسة:

قال مبيحو التوسعة: (لا يوجد إجماع عملي محفوظ للأمة على أن المسعى محدد ومحصور وأنه لا يجوز السعي في غير هذا المسعى المعروف) .

الجواب: لقد سعى النبي - صلى الله عليه وسلم - والصحابة والتابعون وجميع المسلمين حتى عام 1427هـ في مسعى محدد، ولم ينقل عن أي مسلم أنه سعى خارج هذا المسعى، فهل في ديننا إجماع أوضح من هذا الإجماع؟!، وقد استأنسنا أيضًا بحكاية عدة أئمة من عدة عصور على أنّ الإجماع منعقد على أنّ المسعى هو المسعى المعهود المعروف، وكلُّ هذا نقلناه بالتفصيل في مواضعه، بالإضافة إلى أنه لم يُنقَل عن أيّ مسلم واحد مهما كانت عقيدته أو مذهبه أو ضلاله أنه سعى خارجَ المسعى المعروف، أفبعدَ كلِّ هذا الإجماع يأتي مَن يقول لنا: إنه لا يوجد إجماع عملي محفوظ للأمة؟!

(1) بدأت تظهر رسائل وكتب تقترح تغيير بعض شعائر الله تحت حجة الضرورة، ومنها كتاب لدكتور في الشريعة يعرض فيه توسيع مكان مزدلفة للضرورة، وظهر أكثر من كتاب ومقالة تطالب بتوسيع زمن الوقوف بعرفات ليشمل كلَّ الأشهر الحرم أو كل أيام السنة، وعندما سئل بعض"الدكاترة"مِن مبيحي توسعة المسعى للضرورة عن إمكانية توسعة عرفات وغيره قال: (نوسّع كيفما نشاء للضرورة) . فصدق رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندما أخبرنا عمّا سيكون عليه الأمر في آخر الزمان بقوله - صلى الله عليه وسلم:" اتَّخَذَ الناسُ رؤوسًا جهالًا فأفتَوا بغير عِلم فضَلُّوا وأَضَلُّوا" [متفق عليه] ، ولن نعجب بعد هذا إذا قام من يطالب ببناء كعبة ثانية، وهذا بالنسبة لشعائر الله، أما بقية حدود الله فإنها مخترَقة منذ زمنٍ بحجة الضرورة والتيسير وفهم مقاصد الشريعة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت