6.إنّ السعي نسكٌ يختص بمكانٍ، يُفعل في الحج والعمرة، فكان لا بُدَّ منه كالطواف بالبيت، وذلك لأنّ تكراره في النُّسكَين دليل على قوته، واختصاصُه بمكانٍ دليلٌ على وجوبِ قصد ذلك الموضع.
7.الأمكنة المحدَّدة من قِبل الشارع لنوع مِن أنواع العبادات لا تجوز الزيادةُ فيها ولا النقص إلاّ بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.
8.إنّ الأمكنة المحدَّدة شرعًا لنوع من أنواع العبادات ليست محلاًّ للقياس، لأنه لا قياس ولا اجتهاد مع النص الصريح المقتضي تحديدَ المكان المعيّن للعبادة، ولأنّ تخصيص تلك الأماكن بتلك العبادات دون غيرها من سائر الأماكن ليست له علة معقولة المعنى حتى يتحقق المَناط بوجودها في فرعٍ آخرَ لكي يُلحق بالقياس، فالتعبديُّ المحض ليس من موارد القياس.
9.إنّ فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - الوارد لبيان إجمال نصٍّ من القرآن العظيم له حكم ذلك النص القرآني الذي ورد لبيان إجماله، فإنْ دلَّتْ آية من القرآن العظيم على وجوب حكم من الأحكام وأوضح النبي - صلى الله عليه وسلم - المراد منها بفعله فإنّ ذلك الفعل يكون واجبًا بعينه وجوبَ المعنى الذي دلّت عليه الآية، فلا يجوز العدول عنه لبدل آخر، ومن الأمثلة قوله - صلى الله عليه وسلم:"لِتأخذوا عني مناسكَكم" [1] فإنه يدل على أن أفعاله في الحج والعمرة بيانٌ لإجمال آيات الحج والعمرة، فلا يجوز العدول عن شيء منها لبدل آخر إلاّ لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنة.
10.لقد صرّح الله تعالى بقوله: {إنّ الصفا والمروة من شعائر الله} [البقرة158] بأنّ المكان الذي عَلَمُه"الصفا"والمكان الذي عَلَمُه"المروة"من شعائر الله، ومعلومٌ أنّ الصفا والمروة كلاهما عَلَمٌ لمكانٍ معيَّن، وهو عَلَم شخصٍ لا عَلَم جنس، بلا نزاع ولا خلاف بين أهل العربية أنّ العَلَم يُعيّن مُسمّاه مطلقًا، أي: لا يَدخل في مُسمّاه شيءٌ آخرُ غيرُ ذلك الشيء، عاقلًا كان أو غيرَ عاقل، فإذًا لا يصح أن نجعل ما يوازي المسعى مكانًا ثانيًا للسعي، ولو سمّيناه مسعى جديدًا أو توسعة المسعى، فالتسمية لا تُغيِّر واقعَ أنّ المسعى الجديد لا يَدخل ضمن أمر الله ورسوله - صلى الله عليه وسلم - بالسعي بين الصفا والمروة.
11.إنّ العدول عن المسعى النبوي إلى المسعى الجديد المبني بموازاته يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ويحتاج إلى معرفة مَن أُخِذ عنه هذا المسعى الجديد، لأنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - إنما أمرنا بأخذ مناسكنا عنه هو وحدَه صلى الله عليه وسلم، ولم يأذن لنا في أخذها عن أحدٍ غيره كائنًا مَن كان.
(1) رواه بهذا اللفظ مسلم برقم (1297) .