الصفحة 10 من 18

دينه». نعم: قد تكون هذه أيضًا شريعة سابقة منسوخة، ولكنها شرعت لنا من جديد، بدليل ذكر النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لها في معرض المدح والثناء، وحثه الصحابة على الاقتداء، ففعل ذلك مستحب عظيم الدرجة، وإن لم يكن واجبًا، تخفيف من الله ورحمة.

* وقال الحافظ في «فتح الباري شرح صحيح البخاري» معلقًا على قصة «أنس بن النضر» المشهورة: [وفي قصة أنس بن النضر من الفوائد جواز بذل النفس في الجهاد، وفضل الوفاء بالعهد ولو شق على النفس حتى يصل إلى اهلاكها، وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة، وفيه فضيلة ظاهرة لأنس بن النضر، وما كان عليه من صحة الإيمان وكثرة التوقي والتورع وقوة اليقين]

* وجاء خلال قصة (قتل كعب بت الأشرف) ، قول محمد بن مسلمة لأصحابه: (لا يسبقكم: وإن قتلتموني وأياه جميعا!) ، وذلك لأنهم قرروا أن يعتنقه محمد بن مسلمة لشل حركته، كما هي في «المعجم الكبير» : [حدثنا إسماعيل بن الحسن الخفاف ثنا أحمد بن صالح ثنا بن وهب أخبرني حيوة بن شريح عن عقيل بن خالد عن بن شهاب حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرا وكان يهجو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويحرض عليهم كفار قريش في شعره وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم المدينة وهي اخلاط منهم المسلمون الذين يجمعهم دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم المشركون الذين يعبدون الأوثان ومنهم اليهود ومنهم أهل الحلقة والحصون وهم حلفاء الحيين الأوس والخزرج فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم استصلاحهم وموادعتهم وكان الرجل يكون مسلما وأبوه مشركا والرجل يكون مسلما وأخوه مشركا وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤذون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أشد الأذى وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم ففيهم أنزل الله تعالى: {ولتسمعن من الذين أتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثير} ، إلى قوله: {من عزم الأمور} ، وفيهم أنزل الله تعالى: {ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفارا} ، إلى قوله: {حتى يأتي الله بأمره} ، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأذى المسلمين أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ ومحمد بن مسلمة الأنصاري ثم الحارثي وأبا عيسى بن حبر الأنصاري والحارث بن أخي سعد بن معاذ في خمسة رهط فأتوه عشية في مجلسه بالعوالي فلما رآهم كعب بن الأشرف أنكر شأنهم وكان يذعر منهم وقال لهم ما جاء بكم قالوا جاء بنا حاجة إليك قال فليدنو إلى بعضكم ليحدثني بها فدنا إليه بعضهم فقال قد جئناك لنبيعك أدراعا لنا لنستنفق أثمانها فقال والله لئن فعلتم لقد جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل فواعدهم أن يأتوه عشاء حين يهدي عنه الناس فجاؤوه فناداه رجل منهم فقام ليخرج إليهم فقالت امرأته ما طرقوك ساعتهم هذه بشيء مما تحب قال بلى إنهم قد حدثوني حديثهم فخرج إليهم فاعتنقه محمد بن مسلمة وقال لأصحابه: (لا يسبقكم: وإن قتلتموني وأياه جميعا!) ، فطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان معهم من المشركين فغدوا على النبي صلى الله عليه وسلم حين أصبحوا فقالوا: (قد طرق صاحبنا الليلة وهو سيد من سادتنا فقتل غيلة؟!) ، فذكر لهم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، الذي كان يقول في أشعاره ويؤذيهم به، فدعاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة، فيها جامع أمر الناس، فكتبها رسول الله صلى الله عليه وسلم]

وليس هذا في الجهاد، وقتال العدو، وحمل الدعوة فحسب، بل هو في الاعتراف بالذنوب، والاستسلام لإقامة الحد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت