الصفحة 9 من 18

المسلمين، وإن أكرهه بالقتل فإنه ليس حفظ نفسه بقتل ذلك المعصوم أولى من العكس، فليس له أن يظلم غيره فيقتله لئلا يقتل هو، بل إذا فعل ذلك كان القود على المكرِه والمكرَه جميعا عند أكثر العلماء كأحمد ومالك والشافعي في أحد قوليه وفي الآخر الجواب يجب القود على المكرِه فقط كقول أبي حنيفة ومحمد وقيل القود على المكرَه المباشر كما روي ذلك عن زفر وأبو يوسف يوجب الضمان بالدية بدل القود ولم يوجبه وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود وفيها: أن الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ولهذا جوز الأئمة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين، وقد بسطنا القول في هذه المسألة في موضع آخر، فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد مع أن قتله نفسه أعظم من قتله لغيره كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلا بذلك ودفع ضرر العدو المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلا بذلك أولى]، أنتهى كلام ابن تيمية، وقد كرر نحوا من هذا الكلام في موضع آخر من «مجموع الفتاوى» ، (ج: 28 ص: 540) .

وحديث مسلم المشار إليه عند الإمام ابن تيمية هو التالي:

* كما جاء في «صحيح مسلم» : [حدثنا هدبة بن خالد حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن صهيب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «كان ملك فيمن كان قبلكم وكان له ساحر ...» ، فساق الحديث، وفي متنه غرائب وعجائب، إلى أن ذكر محاولات الملك لقتل الغلام، حتى قال راويًا لكلام الغلام مخاطبًا للملك: فقال للملك: (إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به) ، قال: (وما هو؟!) ، قال: (تجمع الناس في صعيد واحد وتصلبني على جذع ثم خذ سهما من كنانتي ثم ضع السهم في كبد القوس ثم قل باسم الله رب الغلام ثم ارمني فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني!) ، فجمع الناس في صعيد واحد وصلبه على جذع ثم أخذ سهما من كنانته ثم وضع السهم في كبد القوس ثم قال باسم الله رب الغلام ثم رماه فوقع السهم في صدغه فوضع يده في صدغه في موضع السهم فمات فقال الناس: (آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام!!) ، فأتى الملك فقيل له أرأيت ما كنت تحذر قد والله نزل بك حذرك قد آمن الناس فأمر بالأخدود في أفواه السكك فخدت، وأضرم النيران، وقال من لم يرجع عن دينه فأحموه فيها أو قيل له اقتحم ففعلوا حتى جاءت امرأة ومعها صبي لها فتقاعست أن تقع فيه فقال لها الغلام يا أمه اصبري فإنك على الحق!». وهو في «صحيح ابن حبان» ، وهو كذلك في «مسند الإمام أحمد بن حنبل» من عدة طرق، وفي «المعجم الكبير» من طريق أخرى متابعة لطريقي مسلم وأحمد، وهو كذلك في «السنن الكبرى» ، و «الآحاد والمثاني» ، وغيرها، والفاظ الطرق كلها تكاد تكون متطابقة.

وهذا من أوضح ما يكون: الغلام يأمر الملك بقتل نفسه ويعطية «الوصفة» أي التفاصيل الإجرائية اللازمة، والصبي يدعو أمه إلى الصبر، وإلقاء نفسها، وهو على كتفها، في النار لأنها على الحق. نعم: هذه شريعة سابقة منسوخة، ولكنها شرعت لنا من جديد، بدليل ذكر النبي، صلوات الله وسلامه وتبريكاته عليه وعلى آله، لها في معرض المدح والثناء، ففعل ذلك مستحب عظيم الدرجة، ولكن الله امتن علينا بالرخصة في تركه لمن لم يستطع ارتقاء تلك المراتب العالية!

* ثناء النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على من اختار القتل والعذاب على الكفر من الأمم السابقة، وامتداحه لذلك، وضربه له مثلًا، عندما شكى له بعض الصحابة معاناتهم تحت نكال قريش فقال فيما رواه البخاري عن خباب بن الأرت مرفوعًا: «قد كان من قبلكم: يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض، فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد من دون لحمه وعظمه، فما يصده ذلك عن

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت