قلت: العبرة بعموم اللفظ، لا خصوص السبب. فقوله تعالى: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، نهي جازم عن أي فعل يؤدي بفاعله إلى الهلكة من الانتحار بتعاطي السم المهلك للجسد، إلى الامتناع عن النفقة في سبيل الله المهلك للإنسان في الآخرة، كل ذلك مشمول بهذا اللفظ العام المعجز، تنزيل من حكيم حميد، وكما هو في «كتاب الجهاد والسير: باب الحث على الجهاد وفضل الشهادة والرباط والحرس» : [ (قوله: فالإلقاء بأيدينا إلى التهلكة أن نقيم في أموالنا) الخ هذا فرد من أفراد ما تصدق عليه الآية، لأنها متضمنة لنهي لكل أحد عن كل ما يصدق عليه أنه من باب الإلقاء بالنفس إلى التهلكة. والاعتبار بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. فإذا كانت تلك الصورة التي قال الناس: إنها من باب الإلقاء لما رأوا الرجل الذي حمل على العدو كما سلف من صور الإلقاء أو شرعا. فلا شك أنها داخلة تحت عموم الآية. ولا يمنع من الدخول اعتراض أبي أيوب بالسبب الخاص. وقد تقرر في الأصول رجحان قول من قال إن الاعتبار بعموم اللفظ. ولا حرج في اندراج التهلكة باعتبار الدين وباعتبار الدنيا تحت قوله: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، ويكون ذلك من باب استعمال المشترك. وفي البخاري في التفسير أن التهلكة هي ترك النفقة في سبيل الله. وذكر صاحب الفتح هنالك أقوالا أخر فليراجع] .
* وفي «المستدرك على الصحيحين» حديث آخر حول نفس الآية الكريمة: [أخبرنا أبو الحسن علي بن عبد الرحمن السبيعي حدثنا أحمد بن حازم الغفاري حدثنا عبيد الله بن موسى أنبأ إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء، رضي الله تعالى عنه، قال له رجل: (يا أبا عمارة: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، أهو الرجل يلقى العدو فيقاتل حتى يقتل؟!) ، قال: ( لا، ولكن هو الرجل يذنب الذنب فيقول: لا يغفر الله لي) ] ، وقال الحاكم: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه) ، وقال الذهبي في التلخيص: (على شرط البخاري ومسلم) . قلت: نعم، هو كذلك، وقد صرح أبو أسحاق بالسماع كما هو في الرواية التالية، وهي على كل حال أقوى وأصح إسنادًا، وأوضح متنًا:
ــ كما هي في «المحلى» (ج: 7 ص: 294) حيث قال الإمام أبو محمد علي بن حزم: [حدثنا عبد الله بن ربيع التميمي نا محمد بن معاوية المرواني أخبرنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي نا عبد الله بن عبد الوهاب الحجبي نا خالد بن الحارث الهجيمي نا شعبة عن أبي إسحق السبيعي قال: سمعت رجلا سأل البراء بن عازب: (أرأيت لو أن رجلا حمل على الكتيبة وهم ألف، ألقى بيده إلى التهلكة؟) ، قال البراء: (لا، ولكن التهلكة أن يصيب الرجل الذنب فيلقى بيده، ويقول: لا توبة لي) ] .
ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» من طرق أخرى كما هي في الملحق.
* ويصدقه حديث النعمان بن بشير في «سنن البيهقي الكبرى» من زاوية أخرى: [أخبرنا أبو عبد الله الحافظ وأبو سعيد بن أبي عمرو قالا ثنا أبو العباس هو الأصم ثنا أحمد بن الفضل العسقلاني ثنا آدم ثنا حماد بن سلمة عن سماك بن حرب عن النعمان بن بشير، رضي الله تعالى عنه: {ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة} ، قال: يقول: (إذا أذنب أحدكم فلا يلقين بيده إلى التهلكة ولا يقولن لا توبة لي ولكن ليستغفر الله وليتب إليه فإن الله غفور رحيم) ] .
فالتهلكة عند هاذين الصحابيين هي: «اليأس من رحمة الله، وترك التوبة والاستغفار» ، وقد أصابا وأحسنا، رضوان الله وسلامه عليهما، فتلك هي التهلكة الأبدية، والخسارة السرمدية.
* وقال الإمام شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية في «الفتاوى الكبرى» ، (ج: 4 ص: 351) : [....، فلا ريب أن هذا يجب عليه إذا أكره على الحضور أن لا يقاتل وإن قتله المسلمون كما لو أكرهه الكفار على حضور صفهم ليقاتل المسلمين، وكما لو أكره رجل رجلا على قتل مسلم معصوم، فإنه لا يجوز له قتله باتفاق