كنت أعينها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني!)، فقالت: (كذب: هو الذي وقع علي) ، فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أذهبوا به فارجموه!» ، قال: فقام رجل من الناس فقال: (لا ترجموه، وارجموني: أنا الذي فعلت بها الفعل!) ، فاعترف، فاجتمع ثلاثة عند رسول الله، صلى الله عليه وسلم: الذي وقع عليها، والذي أعانها، والمرأة. فقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أما أنت: فقد غفر الله لك!» ، وقال للذي أعانها قولا حسنا، قال عمر، رضي الله تعالى عنه: (ارجم الذي اعترف بالزنى) ، قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «لا: إنه قد تاب إلى الله» ، (فقال بن عمير زاد فيها لو تابها أهل المدينة أو أهل يثرب لقبل منهم) ، فأرسلهم؛ قال بن يحيى يريد به عبيد بن عمير]، وقال الحافظ الذهبي عن «المنتقى من السنن المسندة» : (لا ينزل فيه عن رتبة الحسن أبدا إلا في النادر في أحاديث يختلف فيها اجتهاد النقاد) .
ــ وهو بعينه سندًا ومتنًا ،مع خلاف طفيف في الألفاظ، في «السنن الكبرى» للإمام النسائي: [أخبرنا محمد بن يحيى بن محمد بن كثير الحراني قال ثنا عمرو بن حماد بن طلحة هو القناد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه فساقه]
ــ وهو بنحوه في «المعجم الكبير» : [حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد ثنا أسباط بن نصر عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل بن حجر عن أبيه به]
ــ وفي «المعجم الكبير» متابعة قيمة: [حدثنا عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم ثنا محمد بن يوسف الفريابي أنا إسرائيل عن سماك بن حرب عن علقمة بن وائل عن أبيه بنحوه] .
قلت: الحديث بمجموع الطريقين، لا سيما طريق إسرائيل، صحيح على شرط مسلم، لأن سماع إسرائيل من سماك قديم قبل أن يتغير حفظه فصلر يقبل التلقين، والحديث ليس من روايته عن عكرمة، التي وقع فيها بعض الاضطراب، كما يظهر من ترجمته، وأقوال الأئمة فيه التي سردناها في الملحق.
ــ وهو في «سنن البيهقي الكبرى» : [أخبرنا أبو القاسم زيد بن أبي هاشم العلوي وعبد الواحد بن محمد بن النجار المقري بالكوفة قالا أنبأ أبو جعفر محمد بن علي بن دحيم الشيباني ثنا أحمد بن حازم بن أبي غرزة ثنا عمرو بن حماد عن أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائلة عن أبيه وائل بن حجر فساقه بنحوه] ، ثم قال الإمام البيهقي: (ورواه إسرائيل عن سماك وقال فيه فأتوا به النبي، صلى الله عليه وسلم، فلما أمر به قام صاحبها الذي وقع عليها، ...، فذكر الحديث]، ثم استشكل البيهقي العفو عن الجاني فقال:( فعلى هذه الرواية يحتمل أنه إنما أمر بتعزيره ويحتمل أنهم شهدوا عليه بالزنا وأخطأوا في ذلك حتى قام صاحبها فاعترف بالزنا وقد وجد مثل اعترافه من ماعز والجهنية والغامدية ولم يسقط حدودهم وأحاديثهم أكثر وأشهر والله أعلم) .
قلت: رحم الله البيهقي وغيره من الفقهاء، لا سيما أبا محمد علي بن حزم الذي استنكر هذا وحاول تضعيف الحديث ليفلت منه، فليس الموضوع هو سقوط الحد بالاعتراف أو التوبة، ولا هو من بابه في صدر ولا ورد. بل الموضوع هنا هو موضوع جريمة «اغتصاب» ، أي غصب امرأة على نفسها، والزنا بها كرها عن نفسها باستخدام القوة والعنف، وهي جريمة تقع تحت عنوان «المحاربة» . ومعلوم أن عقوبة «المحاربة» تسقط بالتوبة قبل القدرة، بنص الآية الكريمة. والمجرم ها هنا تاب توبة صادقة، وسلَّم نفسه بنفسه لإنقاذ المتهم الآخر الذي تمَّت إدانته، والحكم عليه، وكانت العقوبة على وشك أن تنفذ فيه، وهو لم يكن مشكوكًا قيه، ولا حتى متهما، بل كان مجهول العين غير معروف، ولم يكن محل نظر أو بحث أو اتهام أن له أي علاقة بالجريمة على الإطلاق، فاعترافه وتسليمه لنفسه توبة صحيحة قبل القدرة عليه، بل هي توبة صادقة لو تابها أهل المدينة لكفتهم، كما نص سيدي أبو القاسم محمد بن عبد