التضعيف ورد الأحاديث لأتفه الأسباب، مع غاية التشدد في التصحيح. وهو مع ذلك ثقة ثبت حجة، في الغاية من الحفظ والضبط والإتقان، مع الاطلاع على الكثير من الأجزاء والمسانيد المفقودة، أو التي ما زالت مخطوطة، لذلك لا نشك في صحة هذا الحديث، وجواز الاحتجاج به، من غير اطلاع على إسناده الموصول، الذي لم يقع لنا بعد، وبالله التوفيق.
* وعن جابر رضى الله عنه عن النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله» . رواه الحاكم وقال: (صحيح الإسناد ولم يخرجاه) . قلت: مواجهة الفرد الأعزل لحاكم جائر متجبر تكاد تكون عملًا «انتحاريًا» .
* وفي «سنن البيهقي الكبرى» : [أخبرنا أبو طاهر الفقيه أنبأ أبو عثمان عمرو بن عبد الله البصري ثنا محمد بن عبد الوهاب أنبأ يعلى بن عبيد ثنا إسماعيل بن أبي خالد عن قيس هو بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي أنه كان جالسا عند عمر، رضي الله تعالى عنه، فذكروا رجلا شرى نفسه يوم نهاوند فقال: (ذاك، والله، يا أمير المؤمنين خالي، زعم الناس أنه ألقى بيديه إلى التهلكة) ، فقال عمر، رضي الله تعالى عنه: (كذب أولئك، بل هو من الذين اشتروا الآخرة بالدنيا) ] ، وقال البيهقي: ( كذا في رواية يعلى) . وجاءت طرق أخرى عند البيهقي نفسه، والدارقطني في «العلل» حيث نص على صحة هذا الإسناد، وأحمد بن حنبل في «العلل ومعرفة الرجال» .
ــ وفي «فتح الباري شرح صحيح البخاري» ذكر لأسانيد أخرى: [وروى بن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح عن مدرك بن عوف قال: (إني لعند عمر فقلت: إن لي خالًا رمى بنفسه في الحرب فقتل، فقال ناس ألقى بيده إلى التهلكة) ، فقال عمر: (كذبوا: لكنه اشترى الآخرة بالدنيا) ] ، فهذا عمر بن الخطاب، وهو إمام ورئيس دولة، حريص على انضباط الجيش، قد اشتهر بالحرص على استبعاد «المتهورين» من المناصب القيادية، من أمثال البراء بن مالك، لا يرى بأسًا بالرجل يرمي بنفسه في مهالك الحرب على نحو يدفع العوام إلى القول بأنه: {ألقى بيده إلى التهلكة} !
ــ وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» خلال ترجمة عوف بن أبي حية البجلي، وهو «الفدائي» آنف الذكر: [قال بن منده: (أدرك النبي، صلى الله عليه وسلم، روى عنه ولده شبيل) ، قلت: وقد تقدم شبيل في هذا القسم واستشهد عوف في قتال الفرس بنهاوند واخرج بن أبي شيبة في مصنفه بسند صحيح عن قيس بن أبي حازم عن مدرك بن عوف الأحمسي قال بينما انا عند عمر إذ أتاه رسول النعمان بن مقرن فسأله عمر عن الناس فذكر من اصيب من المسلمين وقال قتل فلان وفلان وآخرون لا نعرفهم فقال عمر لكن الله يعرفهم قالوا ورجل اشترى نفسه يعنون عوف بن أبي حية الأحمسي أبا شبيل، قال مدرك بن عوف: (يا أمير المؤمنين، والله خالي، يزعم الناس انه ألقى بيده الى التهلكة؟!) ، فقال عمر: (كذب أولئك: ولكنه اشترى الآخرة بالدنيا) ، قال: ( وكان اصيب وهو صائم فاحتمل وبه رمق فأبي ان يشرب حتى مات) ] . قلت: فهذه أشد أن يرفض الإنسان شرب الماء حتى يموت، ولا يرى عمر بن الخطاب في ذلك بأسًا؛ ومثل عمر بن الخطاب، الإمام الراشد المهدي، يستوحش من مخالفته، إلا ببرهان من الله قاطع.
* وفي «الإصابة في تمييز الصحابة» قصة تضحية بطل آخر من أبطال الصحابة، هو هشام بن عامر بن أمية الأنصاري: [أخرج بن المبارك في الزهد من طريق جعفر بن زيد قال خرجنا في غزوة الى كابل وفي الجيش صلة بن أشيم، فذكر قصة فيها: (فحمل هو وهشام بن عامر فصنعا بهم طعنا وضربا وقتلا قال فقال العدو رجلان من العرب صنعا بنا هذا فكيف لو قاتلونا؟!) ، يعني: فانهزموا! قال: فقيل لأبي هريرة: (ان هشام بن عامر ألقى بيده الى