القسم الأول: ما فيه مفسدة راجحة على منفعته، كالنَّرْد، والشِّطْرَنج، فهذا يحرِّمه الشارع ولا يُبيحه، إذ مفسدته راجحة على مصلحته، وهي من جنس مفسدة ا لسُّكْر، ولهذا قَرَنَ الله سبحانه وتعالى بين ا لخمر والقمار في الحكم [1] ، وجعلهما قريني الأنصاب والأزلام، وأخبر أنها كلها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها، وعلَّق الفلاح باجتنابها، وأخبر أنها تصدُّ عن ذكره، وعن الصلاة، وتهدَّد مَن لم ينتَهِ عنها، ومعلومُُ أن شارب الخمر إذا سَكِرَ، كان ذلك مما يصدُّه عن ذكر الله وعن الصلاة، ويوقع العداوة والبغضاء بسببه.
وكذلك المغالبات التي تُلْهي بلا منفعة، كالنرد والشطرنج وأمثالها، مما يصدُّ عن ذكر الله، وعن الصلاة، لشدة التهاء النفس بها، واشتغال القلب فيها أبدًا بالفكر.
ومن هذا الوجه، فالشَّطْرنج أشدُّ شُغْلًا للقلب وصدًّا عن ذكر الله وعن الصلاة، ولهذا جعله بعض العلماء أشدَّ تحريمًا من النَّرد، وجعلَ النَّصَّ على أن اللاعب بالنَّرْد عاص لله ورسوله، تنبيهًا بطريق الأولى على أن اللاعب بالشَّطْرَنج أشدُّ معصيةً، إذ لا يحرَّم الله ورسوله فعلًا مشتملًا على مفسدة ثم يُبيح فعلًا مشتملًا على مفسدة أكبر من تلك، والحس والوجود شاهدُُ بأن مفسدة ا لشّطْرَنج وشُغلها للقلب وصدَّها عن ذكر الله وعن الصلاة أعظُم من مفسدة النَّرْد، وهي توقع العداوة والبغضاء، لما فيها من قصد كلٍ من المتلاعبين قهر الآخر، وأكل ماله، وهذا من أعظم ما يوقع العداوة والبغضاء، فحرَّم ا لله سبحانه وتعالى هذا النوع، لاشتماله على ما يبغضه، ومَنْعه مما يحبه.
القسم الثاني: عكس هذا، وهو ما فيه مصلحة راجحة، وهو متضِّمن لما يحبُّه الله ورسوله، معين عليه، ومفض إليه، فهذا شرعه الله تعالى لعباده، وشرع لهم الأسباب التي تعين عليه، وترشد إليه، وهو كالمسابقة على الخيل والإِبل والنّضال، التي تتضمن الاشتغال بأسباب الجهاد، وتعلّم الفُروسية، والاستعداد للقاء أعدائه، وإعلاء كلمته، ونصر دينه وكتابه ورسوله، فهذه المغالبة تطلب
(1) وذلك في قوله سبحانه: {إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ والأنصابُ والأزلامُ رِجْسُُ مِن عمَلِ الشيطانِ فاجْتَنبِوهُ لعلَّكُم تُفْلِحونَ} [المائدة: 90]