فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 126

والحقيقة أن جهابذة علماء الحديث قد وضعوا أدق منهجٍ علمي للتثبت في الأخبار عُرف على وجه الأرض، وليس المقام مقام تفصيل في ذلك، ولكن لنا صفتين اثنتين لناقل الخبر يجدر بالمسلم أن يتشبث بهما وهما العدالة والضبط. أما الضبط فيعود إلى الإتقان والدقة في العزو والنقل، وهذا مقرر في المنهج البحثي المعاصر بحيث لا يُقبل الكلام المجرد عن دليله أو مصدره، كما أنه مقرر في المناهج العلمية المعاصرة التي تنظر في الدراسات والأبحاث القائمة على الأساليب الإحصائية للتحقق من نسبة احتمال الخطأ في النتائج المتوصل إليها، وليس الأمر بدعًا من الأمر، كما أن ليس لأسلوب التحقق من الدقة والضبط حصر، بل لك أن تستعمل أي أسلوبٍ منضبط للتحقق من صحة النقل ومدى قطعية النتائج أو تسرب الاحتمال إليها. وهذا المعيار معيارٌ مستقل عن معيار العدالة، والعدالة مردُّها إلى مدى الوثوق بأهلية الناقل لتحمُّل الخبر، وأدائه على الوجه الصحيح دون ميلٍ أو هوى أو تحريف أو حذفٍ مُخِل، بحيث إذا تخلفت صفة العدالة والأمانة والنزاهة عند الناقل أو كان معروفًا بكونه صاحب فكرٍ أو اعتقاد يهدف للترويج له تُوقِف في خبره، ولا أقول أن خبره يُردُّ مباشرة، وإنما يُتوقف فيه لتسرب احتمال الكذب والإيهام إليه، بحيث يتلقى الطبيب المسلم هذه المعلومة بعين الفاحص الناقد البصير، وليستعِن بمن تتعين الاستعانة به من أهل الخبرة والفن الثقات والعدول من أجل التوصل إلى حكمٍ صحيح على هذا الخبر. ولعلك بناءً على ما تقدم تطالب بالدليل على وجوب سلوك هذا المنهج، فأحيلك إلى قوله تعالى:"يأيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبأ فتبينوا" (1) ، وإذا كان هذا في الفاسق فالكافر أولى (2) ، وإلى قوله تعالى:"وإذا جاءهم أمرٌ من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لَعَلِمَه الذين يستنبطونه منهم"

(1) سورة الحجرات - آية 6

(2) مع ملاحظة أن كل كافر فاسق ولا عكس

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت