فهرس الكتاب
وأقصد بالنصح ها هنا الإخلاص (1) ، فعلى الطبيب المسلم أن يكون مخلصًا فيما يقدمه للمريض من وسائل تشخيص وعلاج، ولا يكون همه مجرد تحصيل الأجر من المريض بأي صورة كانت، كأن يطلب من الفحوصات والاختبارات أو يصف من أنواع العلاج ما لا يحتاجه المريض حقيقةً من أجل أن يتكسب من ذلك. واعلم أيها الطبيب أن المريض قد وضع جسده وحياته أمانةً بين يديك، وقد قال الله تعالى:"إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها" (2) ، وإن عدم مراعاة الأمانة وحفظها خيانة واضحة، بل هي خصلة من خصال النفاق التي حذر النبي صلى الله عليه وسلم منها، فعن عبد الله بن عمرو أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"أربع من كنَّ فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان، وإذا حدَّث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر" (3) ، والشاهد في قوله صلى الله عليه وسلم:"إذا اؤتمن خان"،ولا شك أن الطبيب مؤتمن على حفظ ما يطلع عليه من حال مريضه بحكم المهنة وضرورة الكشف والعلاج، وتأمل معي حديث جابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"إذا حدَّث الرجلُ الحديث ثم التفت فهي أمانة" (4) ، قلت: فإذا كان الحال كذلك فما بالك بأخص خصوصيات وأسرار المريض التي تطلع عليها، أفلا تكون أمانةً أثقل من الجبال؟ فحذار أن تتحول أسرار المرضى إلى أحاديث
(1) قال صاحب القاموس المحيط: نصح: خلص، وتأمل معي قوله تعالى:"ليس على الضعفاء ولا على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ما على المحسنين من سبيل والله غفور رحيم" (التوبة 91) يتبين لك معنى النصح وهو الإخلاص والصدق، ومنه التوبة النصوح أي الصادقة، فتأمل.
(2) سورة النساء - 58 آية
(3) صحيح البخاري - كتاب الإيمان
(4) سنن الترمذي - كتاب البر والصلة، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وحسنه الألباني أيضًا في صحيح الترمذي وحسنه من حديث أبي داود أيضًا