فهرس الكتاب
إن حالة المرض قد تضعف البدن إلى حدٍ يشق على المريض القيام بالعبادة البدنية، أو يتعذر عليه تحصيل شروط عبادة معينة على الوجه الأكمل والصحيح، ولا مجال لاستيعاب مفردات هذه الأحوال في هذه الحلية المختصرة، وإنما أنبه على جنسها من خلال عرض بعض الأمثلة، ففي الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: جاءت فاطمة بنت أبي حُبيش إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إني امرأة أُستحاض فلا أطهر أفأدع الصلاة؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا إنما ذلك عِرق وليس بحيض، فإذا أقبَلَت حيضتُك فدعي الصلاة، وإذا أدبَرَت فاغسلي عنك الدم ثم صلي" (1) ، فهذا الحديث أصلٌ في ما يعرف بوضوء وطهارة أهل الأعذار، والشاهد في الحديث أن هذه الصحابية كانت مبتلاة بمرض - هو عرق الدم النازف - وقد التبس عليها هذا المرض حتى حسبته من الحيض الذي لا تصح معه الصلاة، فردها الرسول صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي إلى الصواب، فبيَّن لها حقيقة المرض وأنه عِرقٌ وليس من الحيض في شيء ثم أرشدها - وهذا موضع الشاهد - إلى ما يتعلق بهذا الدم من أحكام شرعية نتيحة الإخلال أو اللبس في مسألة الطهارة. وحريٌ بكل طبيب مسلم أن يعلم هذا الأصل لأنه كثير الورود والتكرار، لا سيما في المستشفيات حيث يفوِّت كثيرٌ من المرضى من أهل الأعذار - كمن عندهم سلس بول أو من وضعت لهم القثاطر البولية ومن أجريت لهم فتحات إفراغ اصطناعية للفضلات ونحوها - يفوِّت هؤلاء على أنفسهم الصلاة لجهلهم بأحكام طهارة أهل الأعذار، ولا أحسب الطبيب الذي وضع القثطرة البولية أو أجرى العملية الجراحية لفتح مخرج للفضلات ونحوه إلا مسؤولًا عن تنبيه وتوجيه مريضه إلى أحكام طهارته (2) . ومن الأمور لصيقة الصلة بهذا الباب"
(1) صحيح البخاري - كتاب الوضوء
(2) وأضعف الإيمان وأقل ما تبرأ به الذمة أن ينبه الطبيب مريضه إلى ضرورة سؤال من يثق بدينه من أهل العلم كي يفتيه ويرشده إلى ما يحتاج إليه.