فهرس الكتاب
  • 📄

  • 📄
الصفحة 55 من 88

وقد كان لهذه النصوص الشرعية، والتوجيهات الربانية آثرٌ بالغٌ في حياة الرعيل الأول من المسلمين، فتنافسوا في العلم، ورحلوا في طلبه، وضربوا أكباد الإبل من مكان لآخر، بحثًا عن حديثٍ أو مسألةٍ، فازدهرت الحركة العلمية والفكرية في بلاد المسلمين، وسارعوا إلى التأليف والتأصيل والتقعيد العلميِّ، والاقتباس النافع من حضارات الأمم السابقة لهم، وترجموا علوم الروم وفارس وغيرهما، ونشأت دور العلم والمكتبات الكبيرة في حواظر بلاد الإسلام في الجزيرة والشام والعراق ومصر، وشجَّع الخلفاء على العلم والبحث والتأليف والاكتشاف والاختراع، وأُنْشِئت المكتبات الكبرى الشهيرة ؛ كدار الحكمة ببغداد، ودار العلم بها أيضًا، وظهرت الحِلَقُ العلمية التدريسيَّة في الجوامع العظيمة التي كانت قلاع علم وتوجيه وبحث ومناظرة، كالمسجد الحرام، والمسجد النبويِّ، والجامع الأموي بدمشق، والجامع الأزهر بالقاهرة، وغير ذلك، وأحرز المسلمون قصب السبق في المجالات العلمية المختلفة ؛ العلوم الشرعية، واللغة والآداب، والفلك والجغرافيا، والطبِّ، والصناعة، في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تَغُطُّ في عصور الجهل والظلمات التي لم تستفق منها إلاَّ بعد اتِّصالها بالمسلمين في بلاد الأندلس، والاقتباس من تراثهم العلمي، ونشاطهم الحضاريِّ .

وهذه كلُّها أمورٌ ثابتة مشهورة، سجلَّها التأريخ للمسلمين بكلِّ فخر واعتزاز. لكنَّهم - مع شديد الأسف - حين تنكَّبوا عن الصراط المستقيم، وشُغلوا بالدنيا واللهو والملذَّات، أضاعوا ذلك كلَّه، فأخذه الكفار منهم، واستفادوا مما توصَّلوا إليه ووضعوه من قواعد وعلومٍ ووسائل، وبرعوا في التقدُّم والرُّقيِّ الفكريِّ والعلميِّ والصناعيِّ، والاختراع والابتكار، حتَّى صارت بلاد الكفار اليوم من أغنى بلاد العالم، نظرًا للتطوُّر الصناعيِّ والتقدُّم العلمي الذي أحرزته (153) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت