وحسب المرء في هذا المجال: أن يدرك الفرق العظيم بين توجيهات الإسلام في هذا الجانب، وحرصه على طلب العلم، ودعوته إلى حريَّة الفكر والاستفادة من علوم الأمم الأخرى وتراثها، والربط بين ذلك كلِّه وبين الأمانة العلمية والدِّقَّة في مجالات نقل الأخبار والترجمة والعلم، على عكس نظرة الغرب إلى ذلك كلِّه، فهي نظرة مشوبة بالحقد والكراهية للإسلام والمسلمين ؛ فحين نقل المسلمون الأوائل تراث الفرس والرومان العلمي، وترجموه ترجمة أمينة إلى اللغة العربية، نقل المستشرقون تراث المسلمين وعلومهم إلى اللغات الأجنبية بكلِّ تشويه وتحريف، لا يَمُتُّ إلى الأمانة والدِّقَّة بشيءٍ (154) .
كان هذا كلُّه إلمامة مختصرة إلى دور النهضة الفكرية والعلمية في التنمية والحضارة في العصور السابقة لعصرنا .
وقد اتَّضح من خلالها أنَّ الإسلام سعى بكلِّ حرصٍ إلى تحقيق الوجود المعنوي للمسلمين على أرقى المستويات، وفي كلِّ عصر، لأنَّه يدرك أنَّ المبتكرات الفكرية والأدبية هي السبيل إلى الارتقاء بالحياة البشرية إنسانيًا وحضاريًا، وماديًا ومعنويًا ؛ إذ من المعلوم أنَّ جميع أوجه الحضارة المادية المتطورة إنَّما هي في الواقع صورٌ مجسَّمة لتطبيق نظريات علمية يُكمل بعضها بعضًا، في سبيل تحقيق التقدُّم والرُّقِيِّ في شتَّى المجالات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والتجارية (155) .
وفي العصور الحديثة، إبَّان تخلُّف المسلمين العلمي والفكري والحضاري، وعزوف بعض الدول الإسلامية عن تشجيع العلوم والمبتكرات، وتقدُّم الدول الكافرة في الإنتاج العلمي والصناعي والتجاري والتِّقَنِيِّ، وتشجيعها له، واحتكارها لأوجه النشاط الصناعي والتجاري والتكنلوجي، برز أثر الحقوق الفكرية الكبير في مجال الاقتصاد والتنمية، وتحقيق الثروات الطائلة لكثير من الدول والمؤسسات والشركات والأفراد .