الصفحة 22 من 30

وقد عرف الفقهاء المباشر بأنه: (من يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعلُ مختار) [1] فإن تخلل بين فعله والتلفِ فعلُ شخصٍ مختارٍ لم تتحقق المباشرة عندئذ، فلا يضمن، مثال ذلك: من أصاب بسيارته شخصًا في قدمه فوقع جانبًا، فجاءت سيارة أخرى فدهسته فمات، فإن الأول لا يضمن، والضمان على الثاني، مع أن الأول هنا متسبب بذلك، ولكن الفقهاء قالوا:

إذا اجتمع المباشر والمتسبب في الإتلاف أضيف الحكم إلى المباشر إذا كان السبب لا يعمل في الإتلاف لو انفرد عن المباشرة، كما ذكرنا في المثال.

ولا يشترط في هذا المباشر أن يكون مكلفًا (أي بالغًا عاقلًا) فلو كان السائق صغيرًا مميزًا - كما يحدث أحيانًا - فأحدث إتلافًا في نفس أو مال ضمن تعويض ما أتلف، لأن ضمان الإتلافات لا يشترط فيها أهلية الأداء، بل يكفي في تحمل تبعاتها أهلية الوجوب، وهي موجودة في الصغير [2] . فعن الزهري وقتادة أنهما قالا: (مضت السنة أن عمد الصبي والمجنون خطأ) [3] . أي لا قود عليهما، وإنما عليهما الضمان كخطأ المكلف.

ولكن ينبغي التمحيص وإمعان النظر في واقع الحال، هل كان حادث الإتلاف بمباشرة أو تسبب، لان لذلك تأثيرًا في الحكم، وذلك هو عمل رجال الأمن، وعليهم أن يبذلوا قصارى جهدهم في معرفة الحقيقة مراعين في ذلك تقوى الله عز وجل وتحري العدل ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

(1) غمز عيون البصائر للحموي شرح الأشباه والنظائر لابن نجيم الحنفي 1/ 466، حاشية القليوبي وعميرة على شرح المنهاج 2/ 28و 4/ 98، المدخل الفقهي العام 2/ 1044.

(2) المدخل الفقهي العام 2/ 744، أصول الفقه لأبي زهرة ص332.

(3) رواه عبد الرزاق في المصنف 10/ 70 برقم /18391/.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت