، أو حين تكون هي سببًا لما بعدها، أو ذات أثر فيها، ولو كان بينهما فاصل زمني غير قصير.
وهذا أمر لا أظن المتخصص في الحديث الشريف، غير المحيط بأحداث السيرة النبوية يستطيعه، ولذا وجدنا اليوم من يكتب في السيرة النبوية من المتخصصين بالحديث الشريف، أو من له عناية به؛ ينظر إلى أحداث السيرة النبوية، بل وإلى بعض أجزاء الواقعة الواحدة على أنها وقائع متعددة؛ لورودها في روايات مستقلة، وكثيرًا ما يعمد هؤلاء إلى روايتها على أنها روايات متعددة للحادثة الواحدة، ويترك القارئ في حيرة بين الروايات المتعددة للحادثة الواحدة، لا يدرك الصحيح منها من غير الصحيح.
وأحيانًا يعمد بعضهم إلى الترجيح بين ما يورده من الروايات - على سبيل التحقيق في صحتها على طريقة المحدثين - فيعتمد ما يراه صحيحًا، أو أصح من الروايات، ويبعد الأخرى، دون أن يدرك أن ما وردت به بعض الروايات قد يكمل بعضه بعضًا، وإذا ضم بعضها إلى بعض، ووضعت كل جزئية في مكانها المناسب، أعطت صورة متكاملة عن الحادثة أو الواقعة التاريخية أو في السيرة.
ومن أمثلة ذلك؛ الحادثة التالية، وهي مراجعة زعماء الكفر في قريش لأبي طالب في المرة الثانية، واحتجاجهم عليه بأنه لم يمنع ابن أخيه؛ سيدنا محمدًا صلى الله عليه وآله وسلم من الاستمرار في الدعوة، كما طلبوا منه أول مرة، وهددوه بالحرب إن لم يمنعه أو يسلمه إليهم ليقتلوه؛ فعز على أبي طالب أن يحاربه قومه، كما عز عليه أن يسلمهم ابن أخيه صلى الله عليه وآله وسلم ليقتلوه، فأرسل إلى ابن أخيه سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فجاءه عليه الصلاة والسلام.
ونحن هنا في هذه الواقعة أمام روايتين:
الأولى: وهي الرواية المشهورة، التي يرويها ابن إسحاق رحمه الله تعالى، وفيها حديث: (( يا عم؛ والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه، ما تركته ) ) [1] .
(1) السيرة النبوية، لابن هشام 1/ 266، طبع مؤسسة علوم القرآن.