الصفحة 14 من 50

على أبي طالب؛ بأنه لم يمنع ابن أخيه صلى الله عليه وآله وسلم من الاستمرار بالدعوة، وتهديدهم له بالحرب، فاستجاب لهم، وأرسل ولده عقيلًا رضي الله تعالى عنه إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوه إليه، فجاءه النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ووجد عنده رؤوس الكفر المشار إليه، فخاطبه أبو طالب قائلًا: (( إن بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فانته عن أذاهم، فحلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ببصره إلى السماء، فقال: (( ترون هذه الشمس؟ ) )، قالوا: نعم. قال: (( ما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشتعلوا منها بشعلة ) )، وكأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ أراد أن يبين لهم أن قيامه بالدعوة إلى الإسلام ليس من قبيل النافلة، وإنما هو فرض عليه من قبل الله - عز وجل -، ومن ثم فهو عاجز عن التخلي عن الدعوة؛ عجزهم عن أن يمد أحدهم يده إلى الشمس ويأتي منها بشعلة، ومن ثم فيستحيل أن يتخلى عن الدعوة.

فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن آخي قط، فارجعوا.

فقاموا وهم مغضبون، وجعلوا يتهددون أبا طالب ويتوعدونه؛ بأنهم سيحاربونه وابن أخيه صلى الله عليه وآله وسلم، وقد أثر تهديدهم في أبي طالب، وعزَّ عليه عداوة قومه له، فتوجه إلى سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد خروجهم، وقال له: فأبق عليَّ وعلى نفسك، ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق.

فظن سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن عمه أبا طالب قد ضعف عن نصرته، فأراد أن يبين له تصميمه على الاستمرار في الدعوة، ولو تخلى عنه عمه، ولو تصدى له قومه، بما يملكون، وما لا يملكون من قوة، فقال: (( يا عم؛ والله لو وضعوا الشمس في يميني ... الخ ) )، ثم استعبر صلى الله عليه وآله وسلم ... الخ.

وبهذا الجمع أو التوفيق بين الروايتين نتفادى إلغاء حادثة مشهورة، ونعطي صورة أوضح للواقعة.

وأما إبعادها، وإبعاد الكثير من الروايات التاريخية، التي يراها بعض المشتغلين بالحديث الشريف، الذين لا يأخذون بالروايات الضعيفة سندًا - فيما عدا الحلال والحرام - ولا يأخذون بعين الاعتبار ما تقدم من الملاحظات التي ذكرتها من قبل؛ سيؤدي إلى ترك فجوات في السيرة النبوية وفي التاريخ

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت