فهرس الكتاب
خرجت مخرج الخطاب الاستفهامي الموجه إلى أم المؤمنين خديجة رضي الله تعالى عنها، وبأسلوب الإنكار التعجبي، لما رأى عليها الخوف والارتياع عليه، حين رأت آثار الجهد والمكابدة ظاهرة عليه صلى الله عليه وآله وسلم، فقال لها: (( خشيتِ عليَّ؟ ) )بكسر تاء (خشيت) ؛ أي: هل خشيتِ عليَّ؟!
فقالت: كلا، أبشر والله ... الخ.
وعلى هذه الرواية؛ لا إشكال فيها، إنما الإشكال على الرواية الأولى (( بضم تاء خشيت ) )، والتي وردت فيها العبارة بأسلوب الخطاب الإخباري، والتي يخبر فيها النبي صلى الله عليه وآله وسلم عما اعتراه من الخشية.
وقد ذهب العلماء في تفسير الخشية وتعليلها إلى اثني عشر قولًا، ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح [1] ، والعيني في العمدة [2] ، وغيرهم رحمهم الله تعالى، وناقشوها، ودفعوا كل تفسير يوهم ما لا يليق بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، أو يخدش عصمته.
وخلاصة ما وقفت عليه من أقوالهم: إن الخشية وقعت منه صلى الله عليه وآله وسلم مرتين، كما جاءت بها الروايات الصحيحة، وهما:
الأولى: فقد كانت في بدء الأمر؛ في فترة إرهاصات النبوة وتباشيرها، وقبل استعلان المَلَك له، وحين كان يكون صلى الله عليه وآله وسلم في البراري والشعاب، فيسمع الصوت، ويرى النور، ولا يرى شيئًا، أو يعرف لهما مصدرًا. وهذا مما يوجب الخشية للإنسان بمقتضى الطبع البشري، وليس في هذه الخشية ما يتنافى مع كماله عليه الصلاة والسلام، ما دامت النبوة لم تأته بعد، ولم يكن ينتظرها، أو يفكر فيها، كما قال تعالى: - وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك - [3] .
والإنسان في مثل هذه الحال؛ لا بد أن يتساءل عن مصدر هذا النور وهذا الصوت، وعن سرهما؟! هل هما من جنس ما يتراءى للكهان والمجانين والشعراء، وتتلبس بهم - كما كان يقال؟! -، وهل يعني هذا أن أمره صلى الله عليه وآله وسلم سيصير إلى الكهانة، أو الجنون، أو الشعر؟ أو أنه ستصيبه لوثة من ذلك؟! وقد كان ذلك من أكره الأمور إليه صلى الله عليه وآله وسلم، ومثل هذه الخشية لا تكون إلا من الكَمَلة الأطهار. وسيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو مثلهم الأعلى، ومن ثم فإن وقوع مثل هذه الخشية منه عليه الصلاة والسلام دليل كماله، ومما يزيد في مقداره ومقامه عليه الصلاة والسلام، وليس مما يتنافى معهما أو يخدشهما، ثم إنها انتهت بانتهاء أسبابها، ومعرفة سيدنا رسول الله صلى عليه وآله وسلم أنه نبي هذه الأمة.
وأما الخشية الثانية: فقد كانت حين ظهر له جبريل عليه الصلاة والسلام، وجاءه في غار حراء بصدر سورة العلق، وغطه حتى بلغ منه الجهد، وهو وحيد في غار حراء، وأنزل عليه من كلام رب العالمين؛ ما لو أنزل على الجبال لتخشعت وتصدعت، كما قال تعالى: - لو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعًا متصدعًا من خشية الله - ... الآية [4] .
(1) فتح الباري 1/ 24.
(2) عمدة القاري 1/ 68 - 69.
(3) سورة القصص، آية 86.
(4) سورة الحشر، آية 21.