الصفحة 38 من 50

وهذه الخشية أمر بدهي في مثل هذه الحال؛ بسبب ما فُطر عليه الإنسان من ضعف بشري، ولو حدث مع غيره ما حدث له صلى الله عليه وآله وسلم؛ فماذا كان يصنع؟ وما هي حاله حينذاك؟

ومما يدل على هذه الخشية، وأنها لهذه الأسباب؛ تكررها منه صلى الله عليه وآله وسلم حين جاءه جبريل عليه الصلاة والسلام للمرة الثانية بعد حراء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (( فبينا أنا أمشي؛ سمعت صوتًا بين السماء والأرض، فجئثت منه حتى هويت إلى الأرض ) ) [1] ، وفي رواية: (( فرعبت منه، فجئت أهلي فقلت: زملوني زملوني ) ) [2] ، وفي رواية: (( ففرقت منه ) ) [3] .

فهذه الخشية أمر فطري؛ فطر عليها الإنسان، ومن ثم خاف سيدنا موسى عليه الصلاة والسلام حين رأى عصاه ثعبانًا، ولم يصادم إيمانه عليه الصلاة والسلام؛ فالخوف والخشية لا يصادمان الإيمان واليقين بشيء أصلًا؛ لأن الخوف والخشية مغروسان في بنية البشر [4] ، قال تعالى: - وخلق الإنسان ضعيفًا - [5] .

وعلى هذا تحمل الخشية التي وقعت بعد مشاهدة الملك، ولا يصح حملها على المعنى الأول بحال، وقد انتهت بعد نزول مطلع سورة المدثر، على الرغم من ثقل وطأة الوحي، وما كان عليه الصلاة والسلام يكابده منه.

هذا؛ وليس في أي من الخشيتين المذكورتين ما يتناقض مع سلامة الفطرة وكمال الشخصية الإنسانية التي كان عليها سيدنا ونبينا محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يتناقض مع كمال الإيمان، واليقين، وعصمة النبوة [6] ، والله تبارك وتعالى أعلم.

(1) صحيح البخاري، ك التفسير، ب 405، ح 4642.

(2) صحيح البخاري 1/ 6، ك 1، ب 10، ح 4.

(3) صحيح البخاري، ك التفسير، ب 444، ح 4671.

(4) البدر الساري 1/ 27.

(5) سورة النساء، آية 27.

(6) انظر كتاب: محمد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، للشيخ محمد الصادق عرجون 1/ 370 - 384، ط1.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت