الصفحة 39 من 50

هذه خلاصة ما قاله الأئمة والعلماء في تفسير الخشية، وليس في واحد منها ما زعمه مؤلف الكتاب المذكور؛ أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يظن في نفسه الجنون؛ حاشاه صلى الله عليه وآله وسلم من ذلك.

بل إن الذين فسروا الخشية بالجنون؛ لم يقولوا ما ورد في الكتاب المذكور؛ من أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يظن في نفسه الجنون، حاشاه عليه الصلاة والسلام، وكل الذي قالوه: إنه صلى الله عليه وآله وسلم خشي على نفسه في بدء الأمر أن يصير أمره إلى الجنون - كما ذكرت آنفًا - ولم يقولوا: إنه صلى الله عليه وآله وسلم ظن في نفسه الجنون، حتى نزلت: - ما أنت بنعمة ربك بمجنون - [1] .

قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (( والخشية المذكورة اختلف العلماء في المراد بها على اثني عشر قولًا: أولها الجنون، وأن يكون ما رآه من جنس الكهانة؛ جاء مصرحًا به في عدة طرق، وأبطله أبو بكر بن العربي، وحق له أن يَبْطُل، لكن حمله الإسماعيلي على أن ذلك حصل له قبل حصول العلم الضروري له؛ أن الذي جاءه ملك، وأنه من عند الله تعالى ) )ا. هـ.

وإذن؛ فهؤلاء على الرغم من بطلان قولهم، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خشي أن يصير أمره إلى الجنون، وهذه الخشية لا تتنافى مع كماله؛ لأنها لا تكون إلا من الكملة الأطهار، لكن هذا شيء، وما ورد في الكتاب المذكور شيء آخر؛ لما فيه من الافتراء على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ بأنه ظن أن ذلك واقع فيه، وفرق كبير بين أن يخشى الإنسان أن يقع فيه أمر كالجنون، وبين ظنه أنه واقع به - كما تفيده عبارة الكتاب المذكور -، وأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بقي يظن في نفسه ذلك عدة سنوات حتى نزل قوله تعالى: - ما أنت بنعمة ربك بمجنون - بعد الجهر بالدعوة ...

(1) الفتح 1/ 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت