مما هو مختص به؛ لأن عدم الصحة فيما يرويه فيما هو مختص فيه، يترتب عليه الطعن فيه، وبعلمه الذي هو مختص به، ولعله حريص على ألا يطعن بعلمه بما هو مختص له.
ولعله من هذا القبيل اعتبر بعض الرواة عمدة فيما يروونه فيما هم مختصون به، وقبلت رواياتهم فيه واعتمدت، وفي الوقت ذاته، اعتبروا ضعفاء في الحديث الشريف، أو متروكين؛ كابن الكلبي مثلًا؛ فهو عمدة في الأنساب، ويرجع إليه فيه، بينما هو متروك في الحديث الشريف.
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: (( وابن الكلبي يرجع إليه في النسب ) ) [1] .
وقال ابن الأثير رحمه الله تعالى: (( وأظن الحق مع قول الكلبي؛ لعلمه بالنسب ) ) [2] .
ولذا؛ فإن تطبيق القواعد الحديثية على جميع الرواة، دون النظر إلى ما يروونه؛ هل هو من الحديث الشريف، أو فيما هم مختصون به، والحكم عليهم وعلى رواياتهم فيما هم مختصون به بالضعف؛ لكونهم ضعفاء، أو متروكين في الحديث الشريف، أمر غير سديد، بل وغير صحيح، ومخالف لمنهج الأئمة الراسخين في العلم، كما أشارت إليه كلمة الإمامين ابن حجر وابن الأثير رحمهما الله تعالى عن ابن الكلبي.
ويقول الشيخ محمد زاهد الكوثري رحمه الله تعالى في كلمة له عن الطبقات الكبرى ومؤلفها ابن سعد رحمه الله تعالى كلامًا يلتقي مع ما تقدم؛ إذ يقول: (( ومن المعلوم أن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، كانوا يحدثون التابعين بما عندهم من الحديث، ويفقهونهم في دين الله، وينبئونهم بما يعلمونه من الأنباء في السير والمغازي وسائر الشؤون، لكن لم يكن تصنيف الكتب في شتى المواضيع معهودًا في زمنهم، فكانوا يكتفون بسماع العلم وإسماعه، وما كان يكتب العلم من يكتبه إلا لنفسه خاصة؛ لمجرد ألا ينسى ألفاظ الحديث - مثلًا - عند الحديث، لا ليكون ما كتبه كتابًا يستنسخ ويذاع على الجمهور.
(1) الإصابة، لابن حجر العسقلاني 1/ 169.
(2) أسد الغابة، لابن الأثير 1/ 240.