وهكذا كان الأمر، إلى أن أتى عهد التدوين بعد انقضاء المئة الأولى من الهجرة النبوية، فبدأ أهل العلم - على اختلاف مسالكهم - يكتبون في علوم الحديث، والسير، والتفسير، والفقه؛ جوامع، وآثارًا، وموطآت، ومصنفات تزداد بها مؤلفاتهم على تعاقب السنين، وكانوا يكتفون من معرفة أحوال النقلة الرواة بما يتدارسونه بينهم، ولم يكن ليخطر على بال أهل العلم - إذ ذاك - تسجيل أحوال الصحابة والتابعين -؛ حيث كانوا على علم من سيرهم وأنبائهم؛ لكثرة ما كانوا يسمعونه من العارفين بأحوالهم بالمخالطة والمعاشرة، ولقرب زمنهم من زمن هؤلاء جد القرب، فالفقيه - مثلًا - إذا روى في ذلك العهد حديثًا بسنده - وبينه وبين الصحابي رجل أو رجلان فقط - يرويه وهو يعلم حال شيخه الذي سمع الحديث منه، وحال شيخ شيخه بالسماع من شيخه، فيكون على بينة من ثقة الرواة وضعفهم، وهكذا باقي الفقهاء، وسائر العلماء في ذلك العهد )) [1] ا. هـ.
إن الرسوخ في علم الحديث، وسعة الأفق، والمرونة فيه، يقتضي عند الحكم على الرواية في السيرة النبوية، أو التاريخ الإسلامي العام، أن تؤخذ بعين الاعتبار هذه الملاحظات كلها، وإن تجاهل ذلك عند الحكم على الرواية بالصحة أو بالضعف، ليس من الرسوخ في العلم وسعة الأفق والمرونة في علم الحديث.
لكن الأكثر بعدًا عن الرسوخ في العلم والمرونة في علم الحديث؛ هو الإعراض عن كل رواية في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي حكم عليها بالضعف، دون مراعاة لشيء من الملاحظات المذكورة؛ لأن ذلك سيؤدي إلى تجاوز الكثير من الأحداث في السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي العام، وتركها بلا تغطية؛ لتشكل فجوات في سيرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وفي تاريخ المسلمين؛ ليأتي من شاء ويملأها بالخرافات والروايات الموضوعة.
(1) ص 487 - 488.