فهرس الكتاب

الصفحة 30 من 255

لقد اكتشفت في بصرى الشام، أن هذه المدينة العريقة تمتاز بظاهرة نادرة، وهي توقف الزمن بين عتباتها، وخلوده فوق أمكنتها..! فالزمن فيها دائم الانسياب كالشلال ولكن جريانه لا يختفي بعد مروره، ولا يتلاشى ليحل محله زمن آخر..

بل يظل دائم التراكم والدوران، والحضور الحي..!

مواقع الآثار الشامخة، والمتماسكة بإصرار ومنازل السكان العامرة، بالأطفال، والحياة.. بناء حجري متماثل في الشكل واللون، والتحدي.. والأصوات واحدة، سواء تلك التي تعترضك في الدروب وأمام الأبواب مرحبة محيية.. أم تلك التي تحس بها من أطياف الجدود.. الأبعدين، والأقربين تناجيك من خلال كل الزوايا، والأكمات..

السومريون،، الآشوريون، الكلدانيون، الأراميون، السريانيون النسطوريون، النبطيون، الكنعانيون، الفينيقيون، كل أجدادنا العرب، القدامى وأبناؤهم العرب المسلمون، هذه الأواصر العريضة الكبيرة، أحسست بوجودها أمامي، وأنا أطوف أحياء مدينة بصرى.. الصغيرة..!

وقفت أشاهد مسجد المبرك، هذا المكان الذي بركت فيه ناقة الرسول محمد عليه الصلاة والسلام.

عندما رافق عمه في تجارة إلى الشام، وكان وقتها شابًا يافعًا وتذكرت كيف اهتم بأمره الراهب بحيرا النسطوري وألح على رؤيته، وأكرمه، وتنبأ برسالته، وحث عمه على ضرورة حمايته، وحراسته من مؤامرات اليهود عليه..!

إذن فالحقد قديم، وعداوة اليهود للعرب والمسلمين عميقة الجذور..!؟

ورأيت جامع الخضر عليه السلام.. ومدرسة أبي الفداء والمسجد المملوكي، ومسجد عمر، وقلعة الأيوبيين، والخنادق، المحيطة بها، وخزانات المياه الهائلة والحمامات، وأقواس النصر، والسوق الحجري، والطرق المرصوفة بالصخر المصقول والأعمدة العملاقة حولها، والكاندرائية والمعابد، والكنائس التي تشير إلى أقدم العهود.. رأيت..

ورأيت غابات الزيتون.. وبساتين الفواكه والكروم، وآثار السواقي والأنهار والحصون..!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت