فهرس الكتاب
وعندما يتأمل الإنسان... حالة الوطن العربي، طيلة هذا القرن العشرين، تبهره الدهشة، ويأخذه العجب. أمام ظاهرة غريبة شاذة، تتناقض تمامًا مع سنن الحياة وقوانين التاريخ، ومجريات التطور الطبيعي والعادي،.... هذه الظاهرة تتمثل في ذلك البون الشاسع، والتمايز الواضح بين سمات وشخصية أفراد الأمة العربية، بالنظر إلى سلوكهم، ومبادئهم وأنشطتهم، وآمالهم، خلال النصف الأول من هذا القرن.. وبين شخصية أفراد نفس الأمة، خلال النصف الثاني من القرن نفسه، وما أحاق بها من جنوح وانتكاس، وتدهور مخيّب للآمال...!؟
يتساءل الإنسان بحيرة: ألم يكن من المفروض، والطبيعي أن تكون أوضاعنا -مع تقدم الزمن- أرقى، وأقوى، وأحمى...
وقد انتقلنا من الاستعمار إلى الاستقلال، ومن العبودية إلى الحرية، ومن العزلة إلى الانطلاق، ومن الجهل والأمية إلى العلم والتعليم، ومن المرض إلى الصحة، ومن القلة إلى الكثرة، ومن القمع والخوف، إلى الأمن والسلام، ومن الحرمان والفقر، إلى امتلاك ثرواتنا، وامتلاء جيوبنا بالأموال...!؟
كنا نعيش تجزئة قطرية، مفروضة علينا بقوة الحديد والنار. وكنا نتألم منها، ونستنكرها، وناضلنا من أجل القضاء على كل هيمنة أو سيطرة أجنبية تحتم علينا مخططاتها بالقوة، وثرنا... وانتصرنا.. وإذ بنا نفرض على أنفسنا تلك التجزئة، ونرضى بها، ونعتبرها واقعًا منطقيًا مقبولًا، واختيارًا حرًا ينبع من قناعات ذاتية راسخة لايجوز تغييرها. أو تحويلها...!؟