من هذا الموقف ومن غيره من المواقف التي لا يسع المجال لذكرها عرف الصحابة معنى الإلتزام بسنة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ، فهذا عبدالله بن مسعود ـ رضي الله عنه ـ يرى في المسجد جماعة قد تحلقت وقد ترأس عليها أحدهم، وقد جمعوا حصى أمام كل واحد منهم، فيقول زعيمهم هذا سبحوا مائة، هللوا مائة، وهم ينفذون أمره ويعدون تسبيحهم وتهليلهم بالحصى. فماذا قال لهم أبو عبدالرحمن ـ رضي الله عنه ـ؟ قال: (عدوا سيئاتكم فأنا ضامن ألا يضيع من حسناتكم شيء، ويحكم يا أمة محمد ما أسرع هلكتكم، هؤلاء صحابة نبيكم متوافرون، وهذه ثيابه لم تبلى، وآنيته لم تكسر، والذي نفسي بيده إنكم لعلى ملة هي أهدى من ملة محمد أو مفتتحوا باب ضلاتين؟) قالوا: والله ما أردنا إلا الخير. فقال: (وكم من مريد للخير لا يدركه أو لا يصيبه) ، ثم فرقهم.
وكذلك فهم التابعون والعلماء المحدثون والأئمة الأربعة ـ رحمهم الله جميعًا ـ. هذا رجل قام يصلي ركعات بعد السنة الراتبة في الفجر، فنهاه أحد الحاضرين في المسجد، فقال الرجل: هل يعذبني الله على الصلاة؟ فقيل له: لا، ولكن يعذبك على مخالفة السنة.
وآخر يريد أن يحرم من عند قبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فنهاه الإمام مالك
ـ رحمه الله ـ وقال له: أحرم من حيث من أحرم رسول الله، إني أخشى عليك الفتنة، فقال الرجل: وأي فتنة في أميال أزيدها؟ فقال له الإمام: أي فتنة أعظم من أنك ترى أنك هديت إلى أمر قصر عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ؟.
إني سمعت الله يقول: (فليحذر الذين يخالفون عن أمره أتصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم) . ثم أنني أوجه هذه الأسئلة لأصحاب القسم الثالث ولغيرهم:
س1/ ألا يوجد في السنة النبوية ما يحقق لهم الزيادة في محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ويحقق لهم شفاعته؟
س2/ ألم يحقق الصحابة والآل ـ رضي الله عنهم أجمعين ـ محبة النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون الاحتفال بيوم مولده؟
س3/ ألا يمكن دراسة السيرة والشمائل طوال العام لنتعظ بها ونتخذها نبراسًا لنا في الحياة؟
س4/ أليس لنا في رسول الله أسوة حسنة؟ وأليس في صحابته وآل بيته قدوة لنا؟
يا أيها الأخ المسلم: إن كنت من القسم الأول فاحمد الله على ذلك، فإنه يرجى لك الفوز والنجاة، وعليك أن تنكر على كل مبتدع على حد سواء، فلا ينبغي لك أن تنكر على بدعة ما، وتسكت على أخرى تزلفًا لسلطان أو وطنية أو عصبية جاهلية، فدعاء ختم القرآن في صلاة التراويح بدعة، والدعاء للسلاطين والحكام بالتعيين بالاسم على منابر الجمعة بدعة، وكذلك الدعاء لهم في دعاء