-2وأثرُ دراسة ألفاظ القرآن في كتب"الأضداد"واضح، ومن هذه المصنفات كتاب أبي الطيب اللغوي، وكتاب قطرب، وكتاب ابن الأنباري. وهي تورد المفردة اللغوية، وتنصُّ على استعمالها في القرآن والحديث والشواهد الفصيحة من الشعر وأقوال العرب؛ وذلك لأنَّ بعض ألفاظ العربية تُنْبئ عن المعنى وضده في الكلمة نفسها. وقد تَصَدَّتْ هذه الدراسات لبحث مدلول اللفظ المفرد وصلته بالسياق، ومدى اختلاف معناه باختلاف تركيبه في الجملة. يقول الدكتور محمد زغلول سلام [5] :"وكان حافز العلماء في الاجتهاد والبحث القرآنَ؛ ذلك لأنَّ المفسِّرين والعلماء الذين شُغِلوا بدراسة أسلوبه قد اعترضَتْهم بعض العقبات، حين اصطدموا بألفاظٍ قد يُفْهم تكرارها في مناسبات مختلفة في القرآن أنها متضادَّة أو مختلفة في معانيها، وذلك بالقياس إلى الشاهد الشعري، ممَّا دعا بعض الطاعنين ومَنْ يثير الشكوك إلى القول بالتناقض في أسلوب القرآن".
ويُصَرِّح ابن الأنباري في مقدمة كتابه"الأضداد"بالدافع الرئيس الذي دفعه إلى تأليف كتابه، فهو خدمة تفسير القرآن ومحاولة الدفاع عمَّا وُجِّه إلى لغته وأسلوبه من التناقض والإحالة، ويقول:"هذا كتابُ ذِكْرِ الحروف التي تُوقعها العرب على المعاني المتضادَّة، فيكون الحرف منها مؤدِّيًا عن معنيين مختلفين، ويظنُّ أهل البدع والزيغ والإزراء بالعرب أنَّ ذلك كان منهم نقصًا مِنْ حكمتهم، وقلَّة بلاغتهم" [6] . وقد عرض ابن الأنباري كثيرًا من الألفاظ التي جاءت في القرآن، وعَدَّها بعض العلماء مِنْ قبله من الأضداد، وهم -مِنْ وجهة نظره- قد أخطؤوا فيها التأويل، ومذهبه في كثير من كلمات الأضداد أنَّ الكلمة لم تُوْضَعْ في أول الأمر للمعنيَيْن المتضادَّين، وإنَّما وُضِعت لأحدهما، وتراه يميل في كتابه إلى قول بعض العلماء:"إذا وقع الحرف على معنيين متضادَّين فالأصل لمعنى واحد، ثم تداخل الاثنان على جهة الاتساع" [7] ، وقد يكتفي بعرض الرأيين في تفسير الآية كقوله [8] :"والنِّدُّ يقع على معنيين متضادَّين. يقال: فلانٌ نِدُّ فلان إذا كان ضدَّه، وفلان نِدُّه إذا كان مثلَه. وفسَّر الناس قوله تعالى: ?فلا تجعلوا لله أَنْدادًا وأنتم تعلمونٌ? [البقرة: 22] على جهتين. قال الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس: معناه فلا تجعلوا لله أعدالًا، فالأَعْدال جمع عِدْل، والعِدْل المثل. وقال أبو العباس عن الأثرم عن أبي عبيدة: فلا تجعلوا لله أندادًا أي: أضدادًا".
أمَّا قطرب فله منهج آخر، وهو التوسُّع في ألفاظ الأضداد وقَبول الكثير منها. ومن أمثلته:"المُفْرَطُ"المُقَدَّم والمؤخَّر، نحو قوله تعالى: ?لا جَرَم أنَّ لهم النارَ وأنهم مُفْرَطونٌ? [النحل: 62] . ويجوز أن يكون أنَّهم مُقَدَّمون إليها جميعًا، ويجوز أنَّهم مُؤَخَّرون مُباعَدون متروكون من الثواب"."
وهكذا ساهم هذا النوع من الخدمة اللغوية في إجلاء معنى كثير من الآيات، وأثار بين علماء العربية والتفسير مناقشات أفادت منها المكتبة القرآنية واللغوية على السواء.