الصفحة 18 من 29

-3واجتهد علماء العربية من السلف في بيان"المشترك اللغوي"وعَدُّوه خصيصةً من خصائص العربية، وعاملًا من عوامل تنميتها وثرائها. وقد أشار العلماء إلى شواهده والمعاني التي تدور حول لفظه [9] . والمشترك اللفظي هو ما اتحدت صورته واختلف معناه، على عكس المترادف، أو هو اللفظ الواحد الدالُّ على معنيين مختلفين فأكثر [10] . يقول الدكتور توفيق شاهين [11] :"وتنوُّع معناه أتى مِنْ تنوع استعماله"ويضرب مثالًا على ذلك بلفظة"الأُمَّة"فهي بمعنى الواحد الصالح الذي يُؤْتَمُّ به، ويكون علَمًا في الخير كقوله تعالى: ?إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًٌ? [البقرة:120] وهو بمعنى الجماعة كقوله تعالى: ?ولمَّا ورد ماء مَدْيَن وجد عليه أُمَّةً من الناس يَسْقُونٌ? [القصص:23] وبمعنى الحين من الزمان، نحو قوله تعالى: ?وادَّكر بعد أُمَّةٌ? [يوسف:45] ، وبمعنى الملَّة والدين، نحو قوله تعالى: ?إنَّا وَجَدْنا آباءنا على أُمَّةٌ? [الزخرف:23] ، وبمعنى الجنس نحو قوله تعالى: ?وما مِنْ دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أممٌ أمثالُكمٌ? [الأنعام:: 38] .

وقد أثبت هذا المشتركَ ابنُ فارس في كتابه"الصاحبي" [12] ومثَّل له بالعَين، وسيبويه في كتابه [13] ، وأشار إلى أنَّ مِنْ كلام العرب اتفاق اللفظيين واختلاف المعنيين، نحو قولك:"وَجَدْتُ عليه"من المَوْجِدة و"وجَدْت"إذا أرَدْتَ وجدان الضَّالَّة.

وقد خدم العلماء الألفاظ القرآنية التي تسير على هذا القبيل.

ويلخص الدكتور رمضان عبد التواب عوامل نشأة المشترك اللفظي بالاستعمال المجازي، ولم يهتمَّ أصحاب المعاجم بالتفرقة بين المعاني الحقيقية والمجازية للكلمات، والعامل الآخر في نشأته اللهجاتُ؛ وذلك لأنَّ بعض هذه المعاني المجازية نشأ في بيئات مختلفة، ويُضاف إلى هذه العوامل اقتراض الألفاظ من اللغات المختلفة، وينتهي إلى القول بأن المشترك اللفظي لا وجود له في واقع الأمر إلا في معجم لغةٍ من اللغات، أمَّا نصوص هذه اللغة واستعمالاتها فلا وجود إلا لمعنى واحد من معاني هذا المشترك اللفظي [14] .

-4وثمة خدمة جليلة خاصة بمعاني المفردات القرآنية قام بها بعض علماء السلف من المَعْنِيِّين بعلوم العربية، ومن ذلك كتاب"المفردات"للراغب الأصبهاني، وكتاب"عمدة الحفاظ في تفسير أشرف الألفاظ"للسمين الحلبي. ومنهج هذا الضرب من التصنيف هو ترتيب موادِّ الكتاب على منهج أوائل الحروف بعد تجريدها من الحروف الزائدة، كما هو الحال في معجم"أساس البلاغة"للزمخشري، ثم تُذْكَرُ المعاني اللغوية الواردة داخل المادة، ويستشهد عليها بآيات من القرآن الكريم.

وتُعْنَى هذه المصنفات بالتعريفات اللغوية، وتُعَدُّ مرجعًا أصيلًا في ذلك، وتَدْعم المعاني التي توردها بالشعر والحديث وأقوال العرب.

ومن ذلك قول الراغب [15] :"الحدوث كون الشيء بعد أن لم يكن، عَرَضًا كان ذلك أو جوهرًا، وإحداثهُ إيجاده. قال تعالى: ?ما يأتيهم مِنْ ذِكْرٍ مِنْ ربهم مُحْدَثٌ? [الأنبياء: 2] ، ويقال لكل ما قَرُبَ عهدُه: مُحْدَث"، فعلًا كان أو مقالًا، قال تعالى: ?حتى أُحْدِثَ لك منه ذكرًٌ? [الكهف: 70] وكل كلام يبلغ الإنسان من جهة السمع أو الوحي في يقظته أو منامه يقال له: حديث". وفائدة هذا الضرب من المؤلفات جمع المعاني الواردة للمادة اللغوية الواحدة في كتاب الله، سواء أكانت اللفظة القرآنية اسمًا جامدًا أم مشتقًا أم فعلًا، فيمر المصنف بجميع هذه المعاني، ويُمَهِّد لها بمعانيها وتعريفاتها."

-5استخدم القرآن الكريم طائفة من الألفاظ"المُعَرَّبة"، وقد تصدَّى علماء العربية لها، وردُّوها إلى أصولها. وقد قرر اللغويون أنه من المتعذِّر أَنْ تظلَّ لغةٌ بِمَأْمَنٍ من الاحتكاك بلغة أخرى، ويعني هذا اقتراض هذه اللغات بعضها من بعض، وتأثير إحداها في الأخرى، وهذا ما حدث للُّغة العربية مع جاراتها من اللغات [16] ، ويُطلق على مثل هذه الكلمات التي أخذتها العربية من اللغات المجاورة مصطلح"المُعَرَّب"، ويعني هذا أن تلك الكلمات المستعارة في العربية لم تَبْقَ على حالها تمامًا، كَما كانت في لغاتها، وإنما طوَّعها العرب لمنهج لغتهم في أصواتها وبنيتها، وقد طال الأمد على كثير من هذه الألفاظ في الجاهلية، وأَلِفَ الناس استعمالها، وصارت جزءًا من لغتهم، وجاء القرآن فأنزله الله بهذه اللغة العربية التي أصبح بعض هذا المُعَرَّب من مقوِّماتها، فجاء فيه شيء من تلك الألفاظ التي عَرَّبَها القوم من لغات الأمم المجاورة [17] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت