الصفحة 20 من 29

ويرى الدارسون أنَّ القرآن سبب ظهور علم الغريب بمفهومه العام، وما جرَّ إليه من حركة جمع الشعر والنوادر، وما تبع ذلك من رحلات علمية نشطة إلى البوادي [22] . ومن الكتب التي وصلَتْنَا في هذا الحقل: كتاب"الغريبَيْن": غريب القرآن وغريب الحديث لأبي عبيد الهروي، و"بهجة الأريب في بيان ما في كتاب الله العزيز من الغريب"للتركماني، و"تذكرة الأريب في تفسير الغريب"لابن الجوزي. وقد خَدَمَتْ هذه المصنفات كتاب الله بأنَّها اختَصَّتْ بما يراه أصحابها داخلًا تحت مصطلح الغريب، فيمضون في شرحه وبيان آراء العلماء في دلالته، وقد كان في مصنفات الغريب مادة ذات شأن أفادت منها كتب التفسير عبر القرون؛ وذلك لأنَّ المفسِّر لا بد أن يبدأ بالمعنى اللغوي للمفردة القرآنية قبل الشروع في استنباط الأحكام منها.

ومن ذلك ما قاله ابن قتيبة [23] :"قوله: ?وما أهِلَّ به لغير اللهٌ? [البقرة:173] أي: ما ذُبح لغير الله، وإنَّما قيل ذلك لأنه يُذْكر عند ذبحه غيرُ اسم الله فيظهر ذلك، أو يرفع الصوت به، وإهلال الحج منه، إنما هو إيجابه بالتلبية. واستهلال الصبي منه إذا وُلِدَ، أي صوته بالبكاء".

-7وثمة دراسات في"الفروق اللغوية"أفاد منها المفسرون كثيرًا، واختلفَتْ وجهات نظرهم في توجيه كثير من الآيات القرآنية. ومن هذه الدراسات"كتاب الفروق في اللغة"لأبي هلال العسكري، يقول في مقدمته:"وجعلت كلامي فيه على ما يُعْرض منه في كتاب الله وما يجري في ألفاظ الفصحاء والمتكلمين وسائر محاورات الناس" [24] ، ومن أمثلته في كتابه [25] :"الفرق بين الهداية والإرشاد أن الإرشاد إلى الشيء هو التطريقُ إليه والتبيين له، والهداية هي التمكُّن من الوصول إليه، وقد جاءت الهداية للمهتدي في قوله تعالى: ?اهْدِنا الصِّراطَ المستقيمٌ? [الفاتحة:6] ، فذكر أنَّهم دَعَوا بالهداية وهم مُهْتدون لامَحالةَ، ولم يَجئ مثل ذلك في الإرشاد، ويقال أيضًا: هداه إلى المكروه، كما قال تعالى: ?فاهْدُوهم إلى صراط الجحيمٌ? [الصافات: 33] ."

وقد ذهب جماعة من العلماء إلى وجود الترادف في العربية وقالوا: لا معنى لإقامة البرهان على جوازه بعد تحقُّق وقوعه، وإنكارُ الترادف جاء من تَعَسُّفات الاشتقاقيين، وهذا مذهب كثير من العلماء كأبي زيد والأصمعي وابن خالويه. وذهب آخرون إلى إنكار الترادف التام بين الألفاظ وأنَّ كلَّ ما يلوح باديَ الرأي أنه من المترادفات إنَّما هو في حقيقته من المتباينات، على اختلافٍ في قَدْر هذا التباين ووضوحه [26] . ومثال تأثير الفروق اللغوية في تفسير القرآن ما قاله الطبري في تفسير قوله تعالى: ?ألم يعلموا أنَّ الله يعلم سِرَّهم ونجواهم وأن اللهَ عَلاَّمُ الغُيوبٌ? [التوبة:78] ، فقد فسَّر الطبري السِّرَّ: بأنَّه هو ما يُسِرُّونه في أنفسهم من الكفر بالله ورسوله، والنجوى: ما يتناجَوْن به بينهم من الطعن في الإسلام وعَيْبهم لأهله" [27] وهذا خلاف ما يقول به بعضهم: مِنْ أن السر والنجوى مترادفان بمعنى واحد. فهذا ضرب جديد من الخدمة اللغوية عني به السلف، وكان له أثر في فهم كثير من الآيات، ودلالة ألفاظها."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت