-8 وكتب"المذكر والمؤنث"رافد من الروافد اللغوية التي خدمت مفردات القرآن الكريم بتصنيفها حسب استعمال العرب لها مذكرةً أو مؤنثة، وقد حفلت هذه المؤلفات بآيات القرآن الكريم؛ لتكون شاهدًا على الحكم الذي ذكرَتْه. وقد عَدَّ الأنباري في كتابه"المذكر والمؤنث"هذا الضرب من التأليف"مِنْ تمام معرفة النحو والإعراب؛ لأن مَنْ ذَكَّر مؤنثًا، أو أنَّث مذكرًا، كان العيب لازمًا له، كلزومه مَنْ نصب مرفوعًا، أو خفض منصوبًا، أو نصب مخفوضًا" [28] .
ومن أمثلة ذلك قول الأنباري [29] :"والنفس إذا أردت بها الإنسان بعينه مذكرٌ، وإن كان لفظه لفظ مؤنث، وتجمع ثلاثة أنفس على معنى ثلاثة أشخاص، أنشد الفراء:"
ثلاثةُ أنفسٍ وثلاثُ ذَوْدٍ لقد جار الزمانُ على عيالي
فحمله على معنى ثلاثة أشخاص، والنفس إذا أريد بها الروح فهي مؤنثة لاغير، وتصغيرها نُفَيْسة، قال تعالى: ?الذي خلقكم مِنْ نفس واحدةٌ? [الأعراف:189] .
ومن أشهر كتب هذا الضرب من المؤلفات كتاب ابن الأنباري، وكتاب المبرد، وكتاب الفراء. وقد تكون ثمة مفردة قرآنية تحتمل التأنيث والتذكير، ومن ذلك قول الفراء [30] :"السَّبيل يُؤَنَّث ويُذَكَّر، قد جاء بذلك التنزيل، قال تعالى: ?هذه سبيليٌ? [يوسف: 108] ، وقال تعالى: ?وإن يرَوْا سبيل الغَيِّ يتخذوه سبيلٌ? [الأعراف: 146] ."
-9وثمة مصنفات تتصل بعلوم العربية اتصالًا وثيقًا، وتختص بمواضع"القطع والائتناف في القرآن الكريم"، وهو فنٌّ يساعد على فهم معاني القرآن، وتدبُّر آياته. قال الزركشي [31] :"وهو فن جليل، وبه يعرف كيف أداء القرآن، ويترتب على ذلك فوائد كثيرة واستنباطات غزيرة، وبه تتبين معاني الآيات".
والقطع: هو قطع الكلمة عمَّا بعدها وجوبًا أو جوازًا، وحدَّد العلماء للمصطلحات المستعملة مواضع، وهذه المصطلحات هي [32] : التامُّ والحسن والكافي والصالح والجيد والبيان والقبيح، فمواضع القطع والائتناف مرتبطة بالمعنى والحكم الإعرابي. وأشهر كتب هذا الفن كتاب النحاس، إذ طبَّق قواعد العلم على القرآن مرتبة بحسب السور. يقول في المقدمة [33] : فينبغي لقارئ القرآن إذا قرأ أن يتفهم ما يقرؤه، ويشغل قلبه به، ويتفقَّد القطع والائتناف، ويحرص على أن يُفْهم المستمعين في الصلاة وغيرها، وأن يكون وَقْفُه عند كلام مُسْتغن أو شبيه، وأن يكون ابتداؤه حسنًا، ولا يقف على مثل ?إنما يستجيب الذين يسمعون والموتىٌ? [الأنعام: 36] لأنَّ الواقف ههنا قد أشرك بين المستمعين وبين الموتى، والموتى لايسمعون ولايستجيبون، وإنما أخبر عنهم أنهم يُبعثون"."
ومن المصنفات التي وصلَتْنا في هذا الباب"إيضاح الوقف والابتداء للأنباري"، و"المكتفى في الوقف والابتدا"لأبي عمرو الداني، و"منار الهدى في بيان الوقف والابتدا"للأشموني.