-10وبعض هذه الدراسات المتصلة بعلوم العربية انصبَّ على"مشكل القرآن"، وكان الدافع إليها الحِرْصَ على لغة القرآن، وردَّ المطاعن والشكوك التي أُثيرت حوله [34] . ومن أبرز الكتب في هذا الجانب"تأويل مشكل القرآن"لابن قتيبة، وقد حدَّثنا عن خدمته للتنزيل العزيز بقوله [35] :"وقد اعترض كتابَ الله بالطعن مُلْحدون، ولَغَوْا فيه وهجروا، واتَّبعوا ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، بأفهامٍ كليلة، وأبصار عليلة ونظر مدخول، فحرَّفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله، ثم قَضَوا عليه بالتناقض والاستحالة واللحن، وفساد النظم والاختلاف... فأحبَبْتُ أن أَنْضَحَ عن كتاب الله، وأرمي مِنْ ورائه بالحجج النيرة والبراهين البيِّنة، وأكشف للناس ما يَلْبِسون".
وقد بدأ ابن قتيبة موضوعات كتابه بالحكاية عن الطاعنين والردِّ عليهم في وجوه القراءات، وساق زعمهم في وجود اللحن في القرآن والتناقض والاختلاف والمتشابه، وتكرار الكلام والزيادة فيه، ومخالفة ظاهر اللفظ معناه، وعقد بابًا سَمَّاه"تأويل الحروف التي ادُّعي على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم". ومن أمثلة ما عرضه قولُه:"فأما ما نحلوه من التناقض في مثل قوله تعالى: ?فيومئذ لايُسأل عن ذنبه إنس ولاجانٌّ? [الرحمن:39] ، وهو يقول في موضع آخر: ?فوربِّك لنسألنَّهم أجمعين، عمَّا كانوا يعملونٌ? [الحجر: 92] فالجواب في ذلك أن يوم القيامة يكون كما قال تعالى: ?مقداره خمسين ألف سنةٌ? [المعارج:4] ففي مثل هذا اليوم يُسْألون، وفيه لايُسْألون؛ لأنهم حين يُعرضون يُوقفون على الذنوب ويُحاسَبون، فإذا انتهت المسألة ووجبت الحجة ?انشقت السماء فكانت وردة كالدِّهانٌ? [الرحمن:37] وانقطع الكلام وذهب الخصام" [36] .
ويعد باب"تفسير حروف المعاني" [37] من مشكل ابن قتيبة مرجعًا رئيسًا في أدوات العربية، حيث بيَّن فيه استعمال الحرف مكان حرف آخر في القرآن الكريم، وكان يرفد حديثه بشواهد من الشعر العربي الفصيح، وكان لدراسته أكبر الأثر في توجيه حروف المعاني في القرآن، وقد ساعده على ذلك تمكُّنه من ناحية العربية، واطلاعه الواسع على لغة العرب.
-11وأسهمت"معاجم اللغة"المنهجية في بيان المعاني المحتملة للمفردة القرآنية، وأوردت أقوال أهل اللغة في ذلك. ومن المعروف أن عملية الجمع المنظَّم لمفردات اللغة وترتيبها في مصنفات معجمية أفادت الدراسات القرآنية إفادة واسعة؛ من حيث إنها قدّمَتْ فيضًا من الشواهد والأقوال واللغات التي تدور حول المفردة القرآنية، ولاتخلو هذه المعاجم ولاسيما المطولة منها من تفسير غريب القرآن، وضبط ألفاظه، وبيان لهجات العرب المختلفة.
ومن هذه المعاجم"تهذيب اللغة"للأزهري، و"لسان العرب"لابن منظور، و"تاج العروس"للزبيدي. ومن أمثلة الصلة الوثيقة بين هذه المعاجم وتفسير كتاب الله أن صاحب"اللسان"في مادة"يأس"تعرضَّ لاختلاف أهل اللغة في معاني اليأس وهل يكون بمعنى العلم ؟ وأشار إلى اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ?أفلم يَيْئَس الذين آمنوا أن لو يشاء الله لهدى الناس جميعًٌ? [الرعد:31] وما ينجم عنه في توجيه الآية، وسَمَّى طائفة من القبائل العربية التي تستعمل اليأس بمعنى العلم، وعرض شواهد من الشعر العربي الفصيح التي تدعم هذا الاستعمال.
والواقع أن باب اللغة واسع، بذل السلف من خلاله جهودًا طيبة أسهمت في فهم التنزيل العزيز وتدبُّر آياته، ولم تنقطع هذه الدراسات عبر القرون والأجيال التالية، وحَسْبُنا من القلادة ما أحاط بالعنق.