الصفحة 32 من 79

الفصل الرابع: الجهاد جيشٌ وإسناد

إن تحرير مكان النية والمتابعة في عبادة الجهاد يحتاج إلى انقيادٍ مطلقٍ لأمر الشرع في سياق تطبيق هذه العبادة، فعبادة الجهاد في سبيل الله لا تقوم على القتال والمسايفة فحسب، بل لها مقدماتها ومقوماتها المتنوعة، سواءٌ أكان في سياق الإعداد السابق للقتال أم في سياق القتال نفسه، وعليه فإن المجاهد في سبيل الله ابتغاء وجه الله وانقيادًا لأمر الله تعالى، يحبس نفسه في الموقف الذي أنزله إياه الله تعالى، وإن هذا المجاهد الذي ينزل حيث أنزله الله تعالى حقيقٌ بالفوز بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم حيث قال:"طوبى لعبدٍ آخذٍ بعنان فرسه في سبيل الله، أشعثَ رأسُه مغبرةٍ قدماه، إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة [1] ، إن استأذن لم يؤذن له، وإن شفع لم يُشفَّع" [2] .

إن أهمية التزام المجاهد ومن في حكمه بهذا الذي تقدم تتمثل في أمرين اثنين؛ أولهما التعبير عن الالتزام بأمر الشرع الذي يبذل دمه وماله في سبيل نصرته، والثاني تحقيق المقومات السببية لنجاح المواجهة العسكرية من إعداد وإمداد وتنوع في المهام العسكرية والإمدادية. ولقد سجل القرآن الكريم ذلك المشهد الذي تخلف فيه البعض عن التزام هذه المنظومة، فلنتأمل قوله تعالى: (ولقد صَدَقَكَم الله وعده إذ تَحُسّونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تُحبون منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة ثم صَرَفَكَم عنهم لِيَبتَلِيَكم ولقد عفا عنكم والله ذو فضلٍ على المؤمنين) [3] ، وذلك حين تخلى بعض الرماة الذين أمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحموا ظهور المجاهدين في غزوة أُحد، تخلى أولئك النفر عن الموقف الذي أوقفهم إياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فانكشف الجيش بأسره، وحصل ما حصل من انقلاب النصر العسكري إلى الفشل، ومقومات الفشل هنا ذات شقين؛ شق شرعي يتمثل في نفس مخالفة أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشق ميداني يتمثل في انكشاف الجيش بسبب تفريط فرقة حراسة في واجبها، فاجتمع الإخلال بالسبب الشرعي مع الإخلال بالسبب الكوني في تحقيق مقومات الفشل العسكري. وما أكثر حاجة المسلمين اليوم إلى التدبر في هذا الدرس القرآني، لا سيما وأن طبيعة الحملة العسكرية الشرسة التي تتعرض لها الأمة الإسلامية اليوم تستنفر كل فردٍ من هذه الأمة، ولكن ليس كل فردٍ منها مستنفرًا للمسايفة، بل كلٌ مستنفرٌ بحسب وضع الشرع وتوجيهه وبسحب كفاءته وإمكانياته، والله أعلم.

(1) الساقة جمع سائق: وهم الذين يسوقون جيش الغزاة ويكونون من ورائه يحفظونه

(2) صحيح البخاري - حديث 2887

(3) سورة آل عمران - آية 152

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت