الفصل الخامس: الجهاد نفيرٌ وطلب
قال ربنا سبحانه وتعالى: (يأيها الذين آمنوا ما لَكَم إذا قيل لكم انفِروا في سبيل الله اثَّاقلتم إلى الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا مِن الآخرة فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل. إلا تنفِروا يعذِّبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم ولا تضرُّوه شيئًا والله على كل شيء قدير) [1] . فيا له من عتاب، ويا لها من خسارة تلك التي يمنى بها من تخلف عن تلبية نداء ربه وخالقه يستنفره لنصرة دينه وإعلاء رايته، والله غنيٌ عنه وعن نصرته، وإنما هو محض الابتلاء والتمحيص، وتمييز الخبيث من الطيب بغية اتخاذ الشهداء الذين يشهدون على أعظم حقيقة في الكون؛ شهادة أن لا إله إلا الله، يبذلون في سبيل أداء هذه الشهادة أغلى ما يملكون؛ النفس والمال. ولهذا كان هذا المجاهد الذي لبى النداء ونفر مع النافرين خير الناس. فقد صح في الحديث أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قيل: يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله:"مؤمنٌ يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله"قالوا: ثم من؟ قال:"مؤمنٌ في شِعبٍ من الشِّعاب يتقي الله ويدع الناس من شره" [2] . أما أولئك القابعون بعد استنفارهم في أقبية الذل والهوان يرتعون في ماديات الدنيا الرخيصة، ويمرغون أنوفهم في ذلها، فإن نصيبهم من نصرة الله قول الله تعالى: (فَرِحَ المخلَّفون بمقعدهم خِلافَ رسولِ الله وكرِهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا لا تنفِروا في الحر قل نارُ جهنم أشد حرًا لو كانوا يفقهون) [3] ، وإن حظهم من الرضا قوله تعالى: (رضُوا بأن يكونوا مع الخوالف وطُبع على قلوبهم فهم لا يفقهون) [4] .
لقد أعز الله تعالى الإسلام والمسلمين بفتح مكة ودخولها دخول الفاتحين المظفرين، وتطهير حرمها وكعبتها من رموز الكفر والشرك وطواغيت الباطل وأدران الجاهلية، ولكن متى كان هذا الفتح؟ لقد كان هذا الفتح بعد أن فطم الله تعالى جنود الفتح الإسلامي عن كل شيء؛ عن الوطن والأرض والمال والولد
(1) سورة التوبة - آية 38 - 39
(2) صحيح البخاري - حديث 2786
(3) سورة التوبة - آية 81
(4) سورة التوبة - آية 87